ملف الأحد | انتخابات 2026.. المغرب أمام واحدة من أصعب المعارك التشريعية: حرب الاستقطابات تكشف ما وراء الستار

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
من انتخابات عادية إلى مواجهة سياسية مفتوحة.. لماذا أصبحت أسابيع ما قبل 23 شتنبر أكثر سخونة من أي وقت مضى؟
تدخل الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر 2026 مرحلة حاسمة، بعدما انتقل المشهد السياسي من مرحلة ترتيب البيت الداخلي للأحزاب إلى مرحلة إعادة توزيع القوة على امتداد الخريطة السياسية الوطنية، في سياق تتسارع فيه عمليات الاستقطاب، وتظهر فيه انتقالات جديدة لمنتخبين وفاعلين سياسيين، وتتزايد فيه حدة التنافس بين أحزاب يفترض أنها تشكل الأغلبية الحكومية نفسها. ولم يعد النقاش السياسي يقتصر على البرامج والاختيارات، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بمن يملك القدرة على استقطاب الأسماء المؤثرة، ومن يستطيع المحافظة على شبكته الانتخابية، ومن سيتمكن من الدخول إلى الاستحقاق المقبل بأقل قدر من الانشقاقات وأكثر قدر من الانضباط التنظيمي. ومع اقتراب موعد إيداع الترشيحات ابتداء من 31 غشت إلى 8 شتنبر، ثم انطلاق الحملة الرسمية في 10 شتنبر، فإن المغرب يقف أمام أيام قليلة ستتضح خلالها الخريطة النهائية للمتنافسين، وستتحول معها معركة الكواليس إلى مواجهة انتخابية معلنة.
حرب الاستقطابات.. حين تحول الانتقال الحزبي إلى عنوان للانتخابات
المستجد الأكثر دلالة في المرحلة الراهنة هو أن الاستقطاب لم يعد حركة جانبية داخل المشهد الحزبي، بل أصبح أحد العناوين المركزية للانتخابات المقبلة، بعدما تحول انتقال عدد من المنتخبين والبرلمانيين والفاعلين من حزب إلى آخر إلى قضية سياسية تتجاوز الأشخاص أنفسهم. فقد اندلع خلال الأيام الأخيرة سجال علني بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، بعدما اتهم الأحرار خصومه داخل الأغلبية باستقطاب برلمانيين ومرشحين وفاعلين كانوا ينتمون إلى الحزب، بينما رد البام بأن الانتقال الحزبي حق سياسي مكفول وبعودة الأبناء الى دارهم الأصلية، وأن الاتهامات الموجهة إليه لا تستند إلى أساس. وتكشف هذه المواجهة عن تحول مهم في طبيعة المنافسة؛ فالأحزاب لم تعد تتنافس فقط على استمالة الناخبين، وإنما أصبحت تتنافس أيضاً على استقطاب الأشخاص الذين يمتلكون حضوراً انتخابياً وشبكات تنظيمية وعلاقات محلية يمكن أن تؤثر في موازين القوة داخل الدوائر.
الأحرار والبام.. من شريكين في الحكومة إلى خصمين في الميدان الانتخابي
تكمن أهمية المواجهة بين الأحرار والبام في أنها لا تجري بين حزبين متعارضين في المرجعية والموقع الحكومي، وإنما بين مكونين أساسيين في الأغلبية التي قادت الحكومة خلال الولاية المنتهية. وهذه المفارقة تفرض قراءة أكثر عمقاً لما يجري، لأن التنافس الانتخابي بين الحليفين لا يعني بالضرورة سقوط التحالف الحكومي، لكنه يكشف أن الحسابات الانتخابية بدأت تتقدم على منطق الشراكة الحكومية كلما اقترب موعد الاقتراع. فكل حزب يريد دخول المرحلة المقبلة من موقع أقوى، وكل طرف يريد المحافظة على أكبر قدر من الوجوه والمنتخبين، وكل استقطاب ناجح يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوضية في مرحلة تشكيل الأغلبية المقبلة. ولذلك فإن الخلاف الحالي لا ينبغي اختزاله في مجرد سجال حول انتقالات حزبية، بل ينبغي النظر إليه باعتباره جزءاً من معركة أوسع حول حجم كل مكون من مكونات الأغلبية وموقعه في المشهد الذي سيولد بعد الانتخابات.
تسجيل الطالبي العلمي.. عندما خرج الصراع من الكواليس إلى العلن
زاد التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، من حدة هذا الصراع، بعدما تضمن انتقادات قوية لفوزي لقجع، القيادي في الأصالة والمعاصرة، على خلفية استقطاب مرشحين ومنتخبين للالتحاق بالحزب. وسرعان ما تحول التسجيل إلى مادة سياسية وإعلامية واسعة، خصوصاً بعدما جاء رد لقجع ليؤكد أن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف بين تنظيمين حول بعض الأسماء، وإنما أصبح مواجهة سياسية علنية بين قيادات وازنة داخل الأغلبية. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن الرجلين لا ينتميان إلى هامش المشهد السياسي؛ فالطالبي العلمي يشغل رئاسة المؤسسة التشريعية، فيما أصبح لقجع أحد أبرز الوجوه الحكومية والحزبية، وبالتالي فإن دخولهما المباشر في هذا السجال يمنح الخلاف بعداً يتجاوز المنافسة الانتخابية المحلية إلى نقاش حول طبيعة موازين القوة داخل الأغلبية نفسها.
لقجع في البام.. استقطاب اسم ثقيل يغير طبيعة المنافسة
لا يمكن فصل المواجهة الحالية عن التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة ودخوله غمار الانتخابات باسمه، لأن هذه الخطوة شكلت واحداً من أبرز التحولات السياسية التي سبقت الاستحقاق. أهمية لقجع لا ترتبط فقط بمساره الحكومي أو الرياضي، وإنما أيضاً بكونه شخصية تمتلك حضوراً وطنياً واسعاً، وهو ما جعل انتقاله إلى البام يُقرأ داخل الساحة السياسية باعتباره جزءاً من إعادة ترتيب المواقع قبل الانتخابات. ومن هنا جاءت حساسية ردود الفعل داخل الأحرار، خصوصاً بعدما تزامن التحاق لقجع مع انتقال عدد من الوجوه التي كانت محسوبة على الحزب. وبذلك أصبح الصراع بين التنظيمين مرتبطاً بسؤال أكبر: هل نحن أمام انتقالات فردية متفرقة، أم أمام عملية إعادة تموقع سياسية تستهدف إعادة توزيع جزء من القوة الانتخابية بين مكونات الأغلبية؟ والجواب لن تحسمه التصريحات، وإنما ستكشفه الخريطة النهائية للمرشحين وما سيترتب عنها من تحالفات داخل الدوائر.
الترحال السياسي.. الظاهرة القديمة تعود بقوة في لحظة حساسة
عودة ظاهرة الترحال السياسي إلى الواجهة قبل الانتخابات ليست أمراً جديداً في التجربة المغربية، لكنها تكتسب هذه المرة حساسية أكبر بسبب توقيت الانتقالات وحجم الصراع بين الأحزاب. فحين ينتقل منتخب أو برلماني من حزب إلى آخر قبل أسابيع قليلة من الاقتراع، لا يتعلق الأمر فقط بتغيير بطاقة الانتماء، وإنما بإعادة تموضع انتخابي قد تكون وراءه حسابات مرتبطة بالمستقبل السياسي للمرشح وبقدرته على الحصول على موقع داخل المنافسة. وقد أعاد السجال الأخير بين الأحرار والبام طرح السؤال القديم حول العلاقة بين الحزب والمرشح، وما إذا كانت الأحزاب المغربية قادرة على بناء نخب سياسية مستقرة أم أنها تلجأ، مع كل استحقاق، إلى استقطاب شخصيات جاهزة تمتلك شبكات انتخابية قائمة. هذا النقاش أصبح أكثر إلحاحاً لأن قيادات الطرفين استحضرت تاريخ الاستقطابات السابقة، بما فيها ما حدث خلال انتخابات 2021، في محاولة لتفنيد اتهامات الخصم وإثبات أن الانتقال السياسي ظاهرة مشتركة وليست حكراً على تنظيم واحد.
منطق «الميركاتو» الانتخابي.. ماذا تكشفه كثافة الانتقالات عن الأحزاب؟
تكشف كثافة الانتقالات السياسية التي سبقت انتخابات 2026 عن أزمة أعمق تتعلق بإنتاج النخب داخل الأحزاب المغربية. فالحزب الذي يعتمد على الاستقطاب الخارجي في كل محطة انتخابية يعترف، بصورة غير مباشرة، بأن التنظيم الداخلي لم يعد كافياً لإنتاج المرشحين القادرين على المنافسة، بينما الحزب الذي يرفض استقطاب الوافدين يواجه بدوره خطر خسارة شخصيات قادرة على حشد الأصوات. وهنا تقع الأحزاب بين منطقين متعارضين: منطق بناء التنظيم على المدى الطويل، ومنطق الفوز الانتخابي في المدى القصير. وهذا هو السبب الذي يجعل ظاهرة «الميركاتو السياسي» أكثر من مجرد انتقال أسماء؛ إنها مؤشر على طبيعة الحياة الحزبية نفسها، وعلى مقدار تحول الانتخابات من منافسة بين مشاريع سياسية إلى منافسة بين شبكات انتخابية وشخصيات ذات امتداد اجتماعي.
الأغلبية الحكومية أمام معادلة معقدة.. التحالف في الحكومة والمنافسة في الانتخابات
أمام هذا الواقع، تجد أحزاب الأغلبية نفسها أمام معادلة سياسية شديدة التعقيد: فهي مطالبة بالحفاظ على صورة التحالف الحكومي المتماسك، وفي الوقت نفسه تخوض منافسة انتخابية شرسة ضد بعضها البعض. فالتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال تجمعهم مسؤولية حكومية مشتركة، لكن صناديق الاقتراع تفرض عليهم التنافس على المقاعد والنفوذ والتمثيلية، وكل واحد منهم يريد أن يدخل مرحلة ما بعد 23 شتنبر وهو في موقع يسمح له بالتفاوض من موقع قوة. لذلك فإن أي قراءة سطحية تعتبر أن الخلافات الحالية مجرد «توتر انتخابي» ستكون ناقصة؛ لأن الانتخابات هي في جوهرها اختبار لحجم كل حزب داخل الأغلبية، ومن شأن نتائجها أن تؤثر لاحقاً في طبيعة التحالفات الحكومية وموازين القرار داخلها. ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبح استقطاب المنتخبين والمرشحين مسألة سياسية ذات أهمية تتجاوز قيمتها الانتخابية المباشرة.
الاستقلال أمام اختبار التوازن بين التاريخ والمنافسة الجديدة
حزب الاستقلال يدخل بدوره هذه المعركة وهو مطالب بالحفاظ على موقعه داخل الأغلبية وإثبات أن حضوره التاريخي والتنظيمي لا يزال قادراً على الصمود أمام موجة الاستقطابات التي غيرت طبيعة المنافسة. فالحزب يوجد في وضع مختلف عن الأحرار والبام، لأنه يحمل إرثاً حزبياً عميقاً وشبكات تنظيمية تاريخية، لكنه يواجه في الوقت نفسه مشهداً انتخابياً أصبحت فيه الشخصيات والأعيان والفاعلون المحليون أكثر قدرة على التأثير في القرار الانتخابي. لذلك فإن معركة الاستقلال لا تتعلق فقط بالمنافسة مع الخصوم، وإنما تتعلق أيضاً بالحفاظ على استقلالية القرار التنظيمي وعدم تحول الحزب إلى مجرد طرف في سوق الاستقطابات الذي اشتد خلال الأسابيع الأخيرة. وهذه المعادلة ستفرض نفسها بقوة كلما اقتربت لحظة إغلاق باب الترشيحات، لأن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت الأحزاب ستعتمد أساساً على تنظيماتها، أم على الأسماء التي نجحت في استقطابها في اللحظة الأخيرة.
المعارضة.. الفرصة موجودة لكن الطريق ليس سهلاً
في الجهة المقابلة، تبدو المعارضة أمام فرصة سياسية لا ينبغي التقليل منها، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بتحويل هذه الفرصة إلى خطاب انتخابي مقنع. فالعدالة والتنمية يحاول إعادة بناء حضوره بعد النتيجة القاسية التي سجلها في انتخابات 2021، بينما يواصل الحركة العشبية و التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي وباقي القوى المعارضة البحث عن موقع أكثر تأثيراً. غير أن التحدي الأساسي أمام هذه الأحزاب هو عدم الاكتفاء بتشخيص اختلالات الحكومة أو استثمار الخلافات داخل الأغلبية؛ لأن الناخب لا يصوت فقط ضد حكومة، وإنما يحتاج إلى معرفة البديل الذي تقدمه المعارضة، وكيف ستتعامل مع الاقتصاد، والتشغيل، والصحة، والتعليم،و توفير السكن، والاستثمار، والقدرة الشرائية، والإصلاحات الاجتماعية. ولذلك ستكون الحملة المقبلة اختباراً حقيقياً للقدرة على تقديم السياسة باعتبارها مشاريع وبدائل، وليس فقط سجالات ومواقف مضادة.
انسحاب أخنوش من قيادة الحزب.. عامل إضافي في إعادة ترتيب المشهد
ومن بين المعطيات التي يجب وضعها في سياق انتخابات 2026 قرار عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو القرار الذي أعلنه منذ يناير، وربطه بعدم قيادة الحزب خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وقد انتقلت قيادة الحزب لاحقاً إلى محمد شوكي، فيما ظل أخنوش رئيساً للحكومة، وهو وضع يخلق لأول مرة في تجربة الأحرار الحديثة مسافة تنظيمية بين رئيس الحكومة وقيادة الحزب خلال معركة انتخابية تشريعية. ومن الناحية السياسية، لا ينبغي التعامل مع هذه الخطوة باعتبارها تفصيلاً تنظيمياً، لأنها تعني أن الحزب يدخل الانتخابات بقيادة جديدة بينما يتحمل رئيس الحكومة مسؤولية الدفاع عن حصيلة الولاية الحكومية، وهو ما يجعل الفصل بين قيادة الحكومة والقيادة الحزبية عنصراً مهماً في قراءة المرحلة المقبلة.
الحصيلة الحكومية تدخل غرفة الاختبار.. وهذه المرة لا يمكن للأحزاب الهروب من الأرقام
ستكون انتخابات 2026 أيضاً اختباراً للحصيلة الحكومية، لأن التجمع الوطني للأحرار وحليفيه في الأغلبية لن يستطيعوا خوض المعركة بعيداً عن السنوات الخمس التي قضوها في تدبير الشأن العام. فالملفات الاجتماعية والاقتصادية ستكون حاضرة بقوة، وفي مقدمتها الحماية الاجتماعية، والاستثمار، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والأسعار والقدرة الشرائية، وهي ملفات لا يمكن حسم النقاش حولها بالشعارات. وفي المقابل، ستسعى الحكومة إلى الدفاع عن المشاريع والإصلاحات التي تعتبرها من حصيلتها، بينما ستضع المعارضة هذه الملفات تحت المجهر. ولذلك فإن الانتخابات المقبلة قد تكون أكثر اعتماداً من سابقاتها على قدرة كل طرف على تقديم حصيلة قابلة للقياس، لأن الناخب سيكون أمام تجربة حكومية مكتملة السنوات تقريباً، وليس أمام وعود مستقبلية فقط.
الرقمنة وتدبير الترشيحات.. انتخابات تدخل مرحلة إجرائية جديدة
لا تقتصر مستجدات انتخابات 2026 على الصراع السياسي، بل تشمل أيضاً طريقة تدبير العملية الانتخابية، إذ ستتم عملية إيداع الترشيحات و لأول مرة في تاريخ الإنتخابات بالمغرب عبر منصة إلكترونية رسمية خلال الفترة الممتدة من 31 غشت إلى 8 شتنبر، قبل انطلاق الحملة الانتخابية يوم 10 شتنبر. ويعني ذلك أن المرحلة الحالية ليست مجرد مرحلة سياسية، وإنما انتقال فعلي إلى المسار القانوني النهائي للاستحقاق. ومع اقتراب هذه الآجال، ستتقلص مساحة المناورة، وستتحول كل الخلافات حول الترشيحات والانتماءات والوثائق والوضعيات القانونية إلى ملفات يجب حسمها وفق المساطر المحددة.
لماذا ستكون انتخابات 2026 مختلفة عن سابقاتها؟
الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد إعادة إنتاج لانتخابات 2021، لأن السياق السياسي تغير بصورة واضحة. الحكومة الحالية تدخل نهاية ولايتها وهي مطالبة بالدفاع عن حصيلة كاملة، والأغلبية أصبحت أكثر تنافساً فيما بينها، والمعارضة تبحث عن استعادة موقعها، فيما تحول الاستقطاب بين الأحزاب إلى قضية وطنية بعدما خرج إلى العلن عبر سجالات القيادات وانتقال المنتخبين. كما أن طبيعة الرهانات التي تنتظر البرلمان المقبل أكبر من مجرد تدبير يومي، إذ يرتبط الأمر بمسار الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وبالاستثمار، والتنمية، والعدالة المجالية، والتحولات التي يعيشها المغرب في السنوات المقبلة. لذلك فإن أهمية انتخابات 2026 لا تكمن فقط في تركيبة مجلس النواب المقبل، وإنما في إعادة تحديد موازين القوى التي ستؤثر في الحياة السياسية خلال المرحلة المقبلة.
الصندوق وحده سيحسم.. لكن ما قبل الصندوق يكشف معركة غير مسبوقة
من غير المهني اختزال هذه الانتخابات في استطلاعات رأي أو إطلاق توقعات مسبقة حول الفائزين، لأن السباق لم يدخل بعد مرحلته النهائية، ولأن التحالفات والاستقطابات نفسها لا تزال تتحرك قبل إغلاق باب الترشيحات. لكن ما يمكن قوله بوضوح، استناداً إلى التطورات السياسية التي شهدتها الأسابيع الأخيرة، هو أن انتخابات 2026 أصبحت أكثر تعقيداً من مجرد منافسة تقليدية بين أغلبية ومعارضة. إنها مواجهة داخل الأغلبية نفسها، وصراع على الأسماء والامتدادات الانتخابية، واختبار للقدرة التنظيمية للأحزاب، وامتحان للمعارضة، ومواجهة بين منطق الحزب ومنطق الشخص، وبين الاستقرار التنظيمي وإغراء الاستقطاب في اللحظة الأخيرة.
23 شتنبر.. موعد لاختبار الخريطة السياسية وليس فقط صناديق الاقتراع
حين تفتح صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر، سيكون الناخب أمام حصيلة خمس سنوات من التدبير الحكومي، وأمام أحزاب ستقدم نفسها باعتبارها قادرة على قيادة المرحلة المقبلة. لكن الأهم أن الأحزاب نفسها ستصل إلى ذلك اليوم وقد خاضت معركة داخلية قاسية حول مواقعها ومرشحيها وامتداداتها، وسيكون عليها أن تثبت أن الاستقطاب الذي ملأ المشهد خلال الأسابيع الأخيرة لم يكن بديلاً عن العمل السياسي الحقيقي. فالقوة الانتخابية لا تقاس فقط بعدد الأسماء التي يتم استقطابها، وإنما بقدرة الحزب على الحفاظ على هويته وتنظيمه وإقناع المواطن ببرنامجه.
وهنا تحديداً تكمن خصوصية انتخابات 2026؛ فهي لا تأتي في سياق سياسي هادئ، بل في لحظة تتقاطع فيها حسابات الأغلبية مع طموحات الأحزاب، وتتواجه فيها القيادات داخل المعسكر نفسه، وتعود فيها ظواهر الترحال والاستقطاب إلى الواجهة، بينما تراقب المعارضة كل شقوق الأغلبية بحثاً عن فرصة لإعادة بناء حضورها. ولذلك يمكن القول، من دون الحاجة إلى استطلاع أو تنبؤ بالنتائج، إن هذه الانتخابات مرشحة لأن تكون من أصعب وأحرق الاستحقاقات التشريعية في تاريخ المغرب الحديث من حيث حدة المنافسة وتعقيد الحسابات وتداخل المصالح السياسية والتنظيمية.
وإذا كان الصندوق وحده هو الذي يملك حق إعلان النتائج، فإن ما قبل الصندوق يقدم بالفعل مشهداً سياسياً مختلفاً: أغلبية تتنافس من الداخل، معارضة تبحث عن العودة، أحزاب تاريخية تواجه ضغط الاستقطاب، ووجوه سياسية تتحرك بين المواقع، فيما تقترب البلاد من لحظة ستعيد، في جميع الأحوال، ترتيب ميزان القوة داخل المشهد الحزبي الوطني. ومع دخول إيداع الترشيحات مرحلته ابتداء من 31 غشت، لن تبقى سوى أيام قليلة قبل أن تتحول حرب الكواليس إلى مواجهة انتخابية علنية، وعندها سيبدأ الاختبار الحقيقي لقدرة الأحزاب على تحويل كل ما جمعته من أوراق واستقطابات وتحالفات إلى مشروع سياسي قادر على إقناع الناخب المغربي.






