حروب جديدة تشتعل حول لوائح النساء.. «البام» يحسم وكيلات جهاته وسباق التزكيات يدخل مرحلة كسر العظام

دخل السباق الانتخابي المغربي مرحلة جديدة أكثر حساسية مع إعلان حزب الأصالة والمعاصرة رسمياً عن أسماء النساء اللواتي سيتصدرن اللوائح الجهوية المخصصة للنساء في الجهات الاثنتي عشرة، في خطوة تنظيمية وسياسية تتجاوز في دلالاتها مجرد الإعلان عن أسماء المرشحات، لأنها تكشف بداية مرحلة جديدة من الصراع داخل الأحزاب حول مواقع الترشح، خصوصاً أن رئاسة اللوائح الجهوية أصبحت واحدة من أكثر نقاط التنافس حساسية في الاستحقاقات المقبلة، بالنظر إلى ما تمنحه من موقع سياسي وفرصة للولوج إلى المؤسسات المنتخبة.
وجاء الإعلان عن وكيلات اللوائح الجهوية في سياق انتخابي شديد التوتر، بعدما بدأت الأحزاب السياسية في إعادة ترتيب صفوفها والبحث عن الأسماء القادرة على خوض المنافسة في مختلف الجهات، وهو ما جعل الترشيحات النسائية تتحول بدورها إلى ساحة صراع حقيقي، ليس فقط بين الأحزاب المتنافسة، وإنما داخل الحزب الواحد أيضاً. فكلما اقترب موعد الاستحقاقات، ارتفعت قيمة التزكية وأصبح الموقع الأول في اللائحة محط اهتمام واسع من القيادات والمنتخبات والفاعلات السياسيات، خصوصاً في الجهات التي تعرف منافسة قوية ويمكن أن تتحول فيها هذه اللوائح إلى بوابة فعلية نحو المؤسسات المنتخبة.
«البام» يعلن أسماءه في الجهات الاثنتي عشرة
اختار حزب الأصالة والمعاصرة أن يحسم بشكل رسمي أسماء وكيلات اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء على مستوى جهات المملكة الاثنتي عشرة، مقدماً الخطوة باعتبارها جزءاً من رؤيته لتعزيز حضور المرأة في المؤسسات المنتخبة وتكريس مبدأ المناصفة، مع التأكيد على اعتماد معايير ترتبط بالكفاءة والحضور الميداني والقدرة على التواصل مع المواطنين.
وبحسب المعطيات التي أعلنها الحزب، ستقود ليلى بيلغة لائحة الحزب بجهة الرباط سلا القنيطرة، فيما تم اختيار سارة امحزون لجهة بني ملال خنيفرة، وسلمى أبلحساين لجهة طنجة تطوان الحسيمة، ونجاة ويحيى لجهة درعة تافيلالت، ونادية الإدريسي سليطين لجهة مراكش آسفي، وهدى المغاري المبرض لجهة الشرق، ومليكة مزور لجهة الدار البيضاء سطات، وخديجة حجوبي لجهة فاس مكناس، وسناء زاهيد لجهة سوس ماسة، وعزيزة باداد لجهة العيون الساقية الحمراء، ومنال عريطي لجهة كلميم واد نون، وزينب الكوري لجهة الداخلة وادي الذهب.
ويقدم الحزب هذه الاختيارات باعتبارها تعبيراً عن جاهزيته لخوض الاستحقاقات المقبلة، ورغبته في تعزيز حضوره داخل الخريطة السياسية الوطنية والجهوية، غير أن الأسماء المعلنة تحمل كذلك رسائل سياسية وتنظيمية مرتبطة بكل جهة، بالنظر إلى طبيعة التوازنات المحلية والوجوه المنافسة وشبكات التأثير الانتخابي التي بدأت تتشكل مبكراً.
اللوائح النسائية تتحول إلى «سوق سياسية» جديدة
إذا كان الإعلان عن وكيلات اللوائح يبدو في ظاهره قراراً تنظيمياً عادياً، فإن الواقع السياسي يؤشر إلى أن الصراع حول اللوائح الجهوية النسائية سيكون واحداً من أكثر ملفات الانتخابات سخونة خلال المرحلة المقبلة. فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول من سيترشح باسم الحزب، وإنما أصبحت تدور حول من سيحصل على المرتبة الأولى، ومن سيضمن موقعاً متقدماً، ومن يملك القدرة التنظيمية والسياسية على فرض اسمه داخل هياكل الحزب.
وفي عدد من الجهات، بدأت بالفعل حروب صامتة حول التزكيات، بعضها لا يظهر إلى العلن إلا في شكل تحركات تنظيمية ولقاءات داخلية، وبعضها يتحول إلى تسريبات وتصريحات وانتقادات متبادلة. والسبب أن التزكية لم تعد مجرد قرار إداري داخلي، بل أصبحت بالنسبة إلى عدد من الفاعلات السياسيات رصيداً انتخابياً وموقعاً سياسياً يمكن أن يحدد مسارهن خلال الولاية المقبلة.
وتزداد حدة الصراع عندما يتعلق الأمر باللوائح الجهوية الخاصة بالنساء، لأن محدودية عدد المواقع تجعل المنافسة أكثر شراسة، كما أن اختيار وكيلة اللائحة يرسل رسالة واضحة حول الأسماء التي يراهن عليها الحزب في كل جهة. لذلك فإن الإعلان المبكر عن الأسماء يمكن أن يؤدي إلى تهدئة الصراعات في بعض المناطق، لكنه قد يفتح في مناطق أخرى جبهات جديدة لدى من كن يطمحن إلى الحصول على التزكية أو تصدر اللائحة.
«وصيفة اللائحة».. الموقع الذي بدأ يشعل المعارك
المثير في المرحلة المقبلة أن الحرب لن تتوقف عند تحديد وكيلة اللائحة، بل ستنتقل مباشرة إلى المرتبة الثانية وما بعدها، خصوصاً أن موقع وصيفة اللائحة يمكن أن يتحول في بعض الدوائر إلى موقع سياسي بالغ الأهمية. ولهذا بدأت تظهر منذ الآن، داخل عدد من التنظيمات الحزبية، منافسة جديدة حول من ستكون في المرتبة الثانية، ومن ستحصل على الموقع الذي قد يكون مفتاحاً فعلياً للولوج إلى المؤسسات المنتخبة.
هذه المنافسة مرشحة لأن تكون أكثر تعقيداً من معركة اختيار الوكيلة نفسها، لأن الأحزاب ستكون أمام حسابات متعددة تتداخل فيها الكفاءة والحضور الانتخابي والتوازنات الداخلية والاعتبارات الجغرافية والقدرة على استقطاب الأصوات. كما أن بعض القيادات المحلية ستجد نفسها مطالبة بالتوفيق بين فاعلات سياسيات يعتقدن أن لديهن الأحقية في المرتبة الثانية، وهو ما قد يخلق توترات تنظيمية جديدة داخل الأحزاب.
وهنا تظهر مفارقة مهمة؛ فالنظام الذي يفترض أن يفتح المجال أمام تعزيز التمثيلية النسائية قد يتحول، بفعل طبيعة المنافسة السياسية، إلى ساحة جديدة للتجاذبات الحزبية، خصوصاً إذا اعتبرت بعض المرشحات أن ترتيبهن داخل اللائحة يعكس مكانتهن الحقيقية داخل الحزب.
«البام» يحسم.. والأحزاب الأخرى أمام امتحان أصعب
إعلان الأصالة والمعاصرة عن كامل لوائحه النسائية يمنحه، من الناحية التنظيمية، أفضلية مرتبطة بالحسم المبكر، لأنه يسمح للمرشحات بالبدء في العمل الميداني والتواصل مع القواعد والمنتخبين والفاعلين المحليين دون انتظار قرارات اللحظة الأخيرة. لكنه في المقابل يضع الحزب أمام اختبار آخر يتمثل في قدرته على إدارة المرحلة التالية من المنافسة، خصوصاً إذا ظهرت اعتراضات داخلية أو بدأت أسماء أخرى في التعبير عن عدم رضاها عن الاختيارات.
أما الأحزاب المنافسة، فإنها تجد نفسها أمام ضغط متزايد لحسم أسماء مرشحاتها، خصوصاً في الجهات التي بدأت فيها المنافسة فعلياً. وكلما تأخر الحسم، اتسعت مساحة الإشاعات والتسريبات وبدأت الراغبات في الترشح في بناء تحالفات داخلية لضمان مواقع متقدمة.
ومن هنا فإن معركة اللوائح النسائية قد تتحول إلى مرآة تعكس مستوى الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، ومدى قدرتها على تدبير الخلافات، وعلى اختيار مرشحات قادرات على تمثيل الحزب وليس فقط الحصول على التزكية.
جهة الشرق.. مواجهة انتخابية على أكثر من جبهة
وتكتسي جهة الشرق أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى أن اختيار هدى المغاري المبرض لقيادة لائحة الأصالة والمعاصرة يضعها في قلب منافسة انتخابية ستتداخل فيها الحسابات الحزبية مع التوازنات المحلية. فالجهة تعرف تعدد الفاعلين السياسيين وتنافساً قوياً بين الأحزاب، كما أن الاستحقاقات المقبلة ستكون مناسبة لإعادة رسم الخريطة السياسية في عدد من مناطقها.
وفي الوقت الذي يحاول فيه «البام» تثبيت حضوره، يستعد التجمع الوطني للأحرار بدوره للدخول بثقل تنظيمي وانتخابي، وهو ما يجعل اللوائح النسائية جزءاً من المنافسة العامة وليس ملفاً منفصلاً عنها. فكل حزب سيحاول اختيار أسماء لها حضور ميداني وقدرة على التواصل مع الناخبات والناخبين، لأن نجاح اللائحة لا يرتبط فقط بالاسم الأول وإنما أيضاً بالشبكة الانتخابية والتنظيمية التي تستطيع المرشحة تعبئتها.
فاس مكناس.. التزكية تتحول إلى معركة داخلية
وفي جهة فاس مكناس، يراهن «البام» على خديجة حجوبي لقيادة اللائحة الجهوية النسائية، في وقت تستعد فيه مختلف الأحزاب لخوض معركة انتخابية لن تكون سهلة. فالجهة تتميز بتنوعها السياسي والجغرافي، وتضم مراكز حضرية كبرى ومناطق قروية ذات طبيعة انتخابية مختلفة، وهو ما يجعل اختيار المرشحات مرتبطاً بقدرة الحزب على تحقيق التوازن بين مختلف المكونات المجالية.
ومن المرجح أن تشهد هذه الجهة، كما غيرها، صراعاً قوياً حول المرتبة الثانية، لأن الموقع لن يكون مجرد ترتيب بروتوكولي، وإنما قد يتحول إلى عامل حاسم في الحسابات الانتخابية. ولذلك فإن حسم الوكيلة لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل قد يكون بداية المرحلة الأكثر حساسية من المفاوضات الداخلية.
الرباط والدار البيضاء ومراكش.. أسماء كبيرة وحسابات أكبر
وفي الجهات ذات الثقل السياسي والانتخابي، مثل الرباط سلا القنيطرة والدار البيضاء سطات ومراكش آسفي، تكتسب اللوائح النسائية أهمية أكبر، لأن المنافسة فيها ستكون مرتبطة بصورة الحزب على المستوى الوطني، وليس فقط بالتوازنات المحلية. ولذلك فإن اختيار ليلى بيلغة بالرباط سلا القنيطرة، ومليكة مزور بالدار البيضاء سطات، ونادية الإدريسي سليطين بمراكش آسفي، يعكس رغبة الحزب في تقديم أسماء قادرة على خوض منافسة قوية في جهات ذات وزن انتخابي وسياسي كبير.
لكن الرهان الحقيقي لن يكون في الإعلان عن الأسماء فقط، وإنما في قدرة الحزب على تحويل هذه الترشيحات إلى حضور انتخابي فعلي. فاللوائح لا تفوز بالأسماء وحدها، وإنما بالعمل الميداني والتنظيم والتواصل والقدرة على بناء شبكة انتخابية متماسكة.
المناصفة بين الشعار والاختبار الانتخابي
لا شك أن تعزيز حضور النساء في المؤسسات المنتخبة يشكل هدفاً سياسياً ومؤسساتياً مهماً، غير أن الاختبار الحقيقي للمناصفة لا يكمن فقط في تخصيص لوائح للنساء أو الإعلان عن أسماء نسائية، وإنما في مدى قدرة الأحزاب على منح المرشحات أدواراً حقيقية داخل التنظيمات، وإشراكهن في صناعة القرار، وضمان أن تكون التزكيات مبنية على الكفاءة والحضور السياسي لا على الحسابات الانتخابية الظرفية.
فالمرأة المغربية أثبتت حضورها في مختلف مستويات الحياة السياسية، وأصبحت اليوم جزءاً أساسياً من المنافسة الانتخابية، لكن استمرار حصرها في لوائح مخصصة لها دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على مراكز القرار الحزبي والسياسي يظل سؤالاً مشروعاً. ولذلك فإن الاستحقاقات المقبلة ستكون فرصة لقياس ما إذا كانت الأحزاب تتعامل مع التمثيلية النسائية باعتبارها التزاماً سياسياً حقيقياً أم مجرد آلية انتخابية تفرضها القواعد القانونية.
المعركة لم تبدأ يوم الاقتراع.. بل بدأت داخل الأحزاب
ما يحدث حالياً حول اللوائح الجهوية يكشف أن المعركة الانتخابية المقبلة بدأت فعلياً قبل موعد الاقتراع بزمن طويل، وأن الصراع الحقيقي في المرحلة الحالية يجري داخل الأحزاب نفسها قبل أن ينتقل إلى مواجهة مباشرة بينها. فالتزكية، وترتيب اللوائح، وتحديد الوكيلة والوصيفة، وتوزيع المواقع، كلها ملفات تحمل في طياتها صراعاً حول النفوذ والمستقبل السياسي.
ولهذا فإن إعلان «البام» عن أسماء وكيلات لوائحه الجهوية لا ينبغي قراءته فقط باعتباره خبراً تنظيمياً، وإنما باعتباره إشارة إلى أن السباق الانتخابي دخل مرحلة جديدة. فكل اسم أعلن عنه الحزب سيبدأ من الآن في بناء موقعه الانتخابي، وكل اسم لم يحصل على التزكية سيبحث عن بدائل، وقد تختار بعض الوجوه الانتقال إلى أحزاب أخرى أو خوض المعركة من مواقع مختلفة، وهو ما سيزيد من حدة ظاهرة الترحال السياسي التي أصبحت واحدة من أبرز سمات المرحلة الانتخابية.
والأهم أن معركة الوصافة قد تكون أكثر سخونة من معركة الوكالة نفسها، لأن عدداً من الفاعلات سيعتبرن أن المرتبة الثانية ليست مجرد موقع ثانوي، بل فرصة سياسية لا ينبغي التفريط فيها. ومع اقتراب موعد الاستحقاقات، ستتداخل الحسابات الشخصية مع التنظيمية والجهوية، وستجد القيادات الحزبية نفسها أمام مهمة صعبة تتمثل في إرضاء أكبر عدد ممكن من الطامحات إلى الترشح دون تفجير الخلافات الداخلية.
وهكذا، فإن «البام» يكون قد حسم واجهة من واجهات المعركة، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام مرحلة جديدة من المنافسة على ما تبقى من المواقع. ومع إعلان بقية الأحزاب أسماء مرشحاتها، ستتضح أكثر طبيعة التحالفات والتوازنات، وستبدأ حرب أخرى عنوانها ترتيب اللوائح، ومن ستكون الوصيفة، ومن سيضمن موقعاً متقدماً، ومن سيخرج من السباق قبل أن يبدأ.
إن الانتخابات المقبلة لن تكون فقط مواجهة بين الأحزاب أمام الناخبين، بل ستكون أيضاً امتحاناً لقدرة هذه الأحزاب على إدارة خلافاتها الداخلية، واحترام قواعدها، واختيار مرشحين ومرشحات على أساس الكفاءة والحضور، بدل تحويل التزكية إلى مناسبة جديدة لتصفية الحسابات أو توزيع النفوذ.
وبذلك، فإن الإعلان عن وكيلات اللوائح الجهوية النسائية في «البام» لا يغلق باب المنافسة، بل يفتحه على مصراعيه. فالحرب الحقيقية بدأت الآن، وستكون إحدى أكثر جبهاتها سخونة في المرتبة الثانية، حيث تتشكل منذ اليوم معارك جديدة حول الوصافة، وحول من ستجلس إلى جانب الوكيلة عندما تصل صناديق الاقتراع إلى لحظة الحسم.






