قضايا

مطارات المغرب بين أرقام قياسية وتجربة سفر مثقلة بالاحتجاجات.. فاس سايس تكشف حدود منطق «الأرقام أولاً»

قد تبدو أرقام حركة النقل الجوي بالمغرب لافتة ومغرية للاحتفاء، وهي بالفعل تعكس دينامية قوية يعيشها القطاع. فقد استقبلت مطارات المملكة 22 مليوناً و283 ألف مسافر خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، بزيادة تناهز 8.77 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، فيما ارتفعت حركة النقل الجوي الدولي بأكثر من 8.8 في المائة، وسجل شهر يوليوز وحده حوالي 3.45 ملايين مسافر.

لكن خلف هذه الأرقام اللامعة توجد صورة أخرى لا يمكن تجاهلها، صورة تظهر بوضوح أكبر خلال موسم الصيف، عندما تتحول المطارات إلى بوابات مزدحمة تعكس بشكل مباشر مستوى الخدمات وجودة الاستقبال وقدرة المنظومة الجوية على تدبير الضغط. وهنا تبرز حالة مطار فاس سايس باعتبارها نموذجاً يستحق التوقف عنده، ليس فقط بسبب حجم الحركة التي يعرفها، وإنما أيضاً بسبب الشكايات المتكررة للمسافرين، مغاربة العالم والسياح، حول ظروف الانتظار والتأخير وجودة بعض الخدمات.

فالرقم الكبير للمسافرين لا يعني بالضرورة أن تجربة السفر كانت ناجحة، كما أن ارتفاع عدد الرحلات لا يعفي من طرح السؤال حول ماذا يجد المسافر عندما يصل إلى المطار؟

فاس سايس.. أرقام لا تخفي واقعاً أكثر تعقيداً

المعطيات الرسمية تظهر أن مطار فاس سايس استقبل خلال النصف الأول من السنة 935 ألفاً و382 مسافراً، مقابل 937 ألفاً و427 مسافراً خلال الفترة نفسها من 2025، أي بتراجع طفيف قدره 0.22 في المائة. غير أن يونيو وحده سجل نمواً بـ4.55 في المائة، مع 162 ألفاً و719 مسافراً.

وهذه الأرقام تعكس أن المطار يظل بوابة جوية أساسية لفاس والجهة، خصوصاً مع ارتباطه بعدد كبير من الوجهات الأوروبية التي تخدم الجالية المغربية والسياح.

لكن صيف 2026 كشف، في المقابل، عن مفارقة واضحة: مطار يستقبل أعداداً مهمة من المسافرين، لكنه يجد نفسه أحياناً عاجزاً عن ضمان تجربة سفر سلسة عندما تتعرض بعض الرحلات للتأخير أو الإلغاء.

وخلال الأيام الأخيرة فقط، وجد عشرات المسافرين المتوجهين من فاس إلى بولونيا أنفسهم عالقين داخل المطار لساعات بسبب تأخر رحلة تابعة لشركة «رايان إير»، وسط شكايات من غياب توضيحات واضحة بشأن موعد الإقلاع.

وقبل ذلك، شهد مطار الرباط-سلا احتجاجات لمسافرين بعد إلغاء رحلة إلى إيطاليا، في واقعة عكست بدورها حجم التوتر الذي يمكن أن ينشأ عندما يجد المسافر نفسه أمام تأخير طويل ثم إلغاء الرحلة دون حلول فورية وملائمة.

المشكلة، إذن، ليست في التأخير وحده، لأن التأخيرات والإلغاءات قد تحدث في أي مطار بالعالم، وإنما في كيفية تدبير الأزمة، وإخبار المسافر، وتوفير شروط الانتظار، وضمان حقوقه ومرافقته إلى حين إيجاد الحل.

أكثر من ساعة داخل بهو المغادرة.. أين هي جودة تجربة المسافر؟

من أكثر الصور التي طبعت هذا الصيف، وفق شكايات مسافرين، بقاء عدد منهم لأكثر من ساعة داخل بهو المغادرة في ظروف لا تعكس بالضرورة الصورة التي يفترض أن يقدمها مطار دولي يستقبل الجالية والسياح.

وهنا ينبغي طرح السؤال بصراحة: هل تقاس جودة المطار بعدد المسافرين الذين عبروا من بواباته، أم بالمدة التي يحتاجها المسافر لإنهاء إجراءات السفر، وبوضوح المعلومات المقدمة له، وبجودة فضاءات الانتظار، وبالخدمات المتاحة له عندما تتعطل رحلته؟

فالمطار ليس مجرد مدرج وطائرة وبوابات مراقبة. إنه أول وآخر انطباع يحصل عليه السائح عن المدينة والبلد، وهو أيضاً فضاء يستقبل مغاربة العالم الذين يصلون إلى وطنهم محملين بتوقعات كثيرة، وقد يتحول الانتظار غير المنظم أو نقص المعلومات إلى أول تجربة سلبية لهم بعد العودة.

والمفارقة أن مطار فاس سايس يتوفر على تجهيزات وخدمات معلنة رسمياً، من بينها سبعة مكاتب للتسجيل وأربع بوابات للصعود، وشاشات للمعلومات وخدمات خاصة بالأمتعة والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.

لكن وجود التجهيزات على الورق شيء، وكفاءة تشغيلها خلال ساعات الذروة شيء آخر.

شركات الطيران منخفضة التكلفة.. عندما تختفي كلمة «منخفضة»

هناك ملف آخر لا يمكن فصله عن معاناة المسافرين خلال الصيف، ويتعلق بسياسة التسعير لدى شركات الطيران، خصوصاً الشركات منخفضة التكلفة.

فالصورة التي تسوق عادة حول «السفر منخفض التكلفة» تصبح مختلفة تماماً خلال فترات الذروة. التذكرة التي تبدو رخيصة في بداية الحجز قد ترتفع بشكل كبير مع اقتراب موعد السفر، ثم تضاف إليها تكاليف اختيار المقعد والأمتعة والخدمات المختلفة.

وفي السوق المغربية، يعرف المسافرون جيداً أن الأسعار خلال الصيف لا تشبه الأسعار المعروضة خارج فترات الذروة، خصوصاً بالنسبة إلى الرحلات التي تربط المغرب بالمدن الأوروبية التي تعرف كثافة كبيرة في حركة الجالية.

وتقدم الأسعار المنشورة حالياً مثالاً على هذا التفاوت؛ فعلى موقع الخطوط الملكية المغربية تظهر رحلات من الدار البيضاء إلى باريس خلال بعض تواريخ غشت وشتنبر بأسعار تتجاوز 3 آلاف درهم وتصل في بعض التواريخ إلى أكثر من 4 آلاف و600 درهم للرحلة ذهاباً وإياباً، مع التنبيه إلى أن الخدمات الإضافية تخضع لرسوم منفصلة.

وهذا يعني أن الحديث عن «تذكرة رخيصة» يجب ألا يقتصر على السعر الأول الذي يظهر على الشاشة، وإنما ينبغي احتساب الكلفة النهائية الفعلية للسفر، بما فيها الأمتعة والخدمات الإضافية.

أما القول إن بعض التذاكر تصل إلى أكثر من 5 آلاف درهم ثم تتجاوز 7 آلاف درهم بعد إضافة الأمتعة، فهو أمر يحتاج إلى ربطه دائماً بالمسار والتاريخ وشروط الحجز والشركة المعنية، ولا يمكن تعميمه على جميع الرحلات. لكن المؤكد أن منطق التسعير الموسمي يفرض عبئاً كبيراً على الأسر والجالية خلال فترات الطلب المرتفع.

المشكلة ليست في الطائرات فقط.. بل في المنظومة كلها

وهنا تصل القضية إلى جوهرها.

لا يمكن للمغرب أن يحتفي بارتفاع أعداد المسافرين، وفي الوقت نفسه يتعامل مع تجربة المسافر باعتبارها تفصيلاً ثانوياً.

القطاع يحتاج إلى مقاربة شمولية تبدأ من سعر التذكرة، مروراً بالحجز والأمتعة، ثم الوصول إلى المطار، والتسجيل والمراقبة، وفضاءات الانتظار، والمعلومات المقدمة للمسافر، وانتهاء بالصعود إلى الطائرة والتعامل مع التأخير والإلغاء وفقدان الأمتعة.

وإذا كان مطار فاس سايس مقبلاً على مرحلة جديدة من التوسع، فإن المطلوب ليس فقط إضافة المساحات ورفع الطاقة الاستيعابية، وإنما رفع مستوى التشغيل والخدمات بالتوازي.

فالبرنامج الاستثماري الوطني يتضمن بالفعل توسيع مطار فاس سايس ورفع طاقته من حوالي مليوني مسافر إلى خمسة ملايين مسافر سنوياً، ضمن برنامج أوسع لتطوير المطارات المغربية.

كما أن برنامج الاستثمار للفترة 2025-2030 يخصص مبالغ ضخمة لتوسعة قدرات المطارات وصيانتها وتحديثها، وهو ما يؤكد أن الدولة تنظر إلى البنية الجوية باعتبارها رافعة استراتيجية للسياحة والاقتصاد والانفتاح الدولي.

لكن رفع الطاقة الاستيعابية دون رفع جودة الخدمة قد يعني ببساطة مضاعفة عدد المسافرين الذين يواجهون المشاكل نفسها.

الأرقام مهمة.. لكنها ليست كل شيء

لا أحد يمكنه إنكار أهمية الأرقام التي حققتها المطارات المغربية. ارتفاع عدد المسافرين بنسبة تقارب 9 في المائة، وتجاوز 22 مليون مسافر في سبعة أشهر، وارتفاع عدد حركات الطائرات إلى أكثر من 164 ألف حركة، كلها مؤشرات على نمو قوي في الطلب على النقل الجوي بالمغرب.

لكن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الذين مروا عبر المطار.

النجاح يقاس أيضاً بعدد المسافرين الذين لم يضطروا إلى الاحتجاج، وبسرعة معالجة المشاكل، وبمدى احترام وقتهم، وبجودة الخدمات، وبوضوح التواصل معهم، وبقدرتهم على السفر بتكلفة معقولة.

ومن غير المقبول أن يتحول المسافر إلى مجرد رقم في تقرير إحصائي، ثم يصبح عند وقوع تأخير أو إلغاء مجرد شخص ينتظر في بهو المطار دون معلومات كافية.

إن مغاربة العالم ليسوا مجرد «مسافرين موسميين»، والسائح ليس مجرد رقم في إحصائيات المطارات. كلاهما جزء من صورة المغرب الخارجية، وما يعيشه داخل المطار قد يكون أقوى من عشرات الحملات الترويجية.

فاس تحتاج إلى مطار يواكب طموح المدينة

بالنسبة إلى فاس تحديداً، فإن الرهان أكبر من مجرد استقبال مزيد من الرحلات.

المدينة تستعد لاستحقاقات سياحية ورياضية واقتصادية كبرى، وتريد تعزيز موقعها كوجهة دولية، ولذلك فإن مطار فاس سايس يجب أن يكون واجهة حقيقية للمدينة والجهة، لا مجرد نقطة عبور.

والاستثمار في المطار ينبغي أن يواكبه استثمار موازٍ في العنصر البشري، وفي تدبير التدفقات، وفي الرقمنة، وفي خدمات المسافرين، وفي الشفافية بشأن التأخيرات والإلغاءات، وفي مراقبة جودة الخدمات التي تقدمها الشركات المتعاقدة، وفي توفير شروط انتظار إنسانية عندما تقع الاضطرابات.

كما أن العلاقة مع شركات الطيران، وخاصة منخفضة التكلفة، تحتاج إلى نقاش أكثر جدية حول حقوق المستهلك، وشفافية الأسعار، وكلفة الأمتعة والخدمات الإضافية، ومسؤولية الشركة تجاه المسافر عند الإلغاء أو التأخير.

فالطيران منخفض التكلفة ينبغي ألا يتحول إلى طيران منخفض الخدمة، كما أن انخفاض السعر الأساسي لا ينبغي أن يصبح مدخلاً لإخفاء الكلفة الحقيقية للرحلة.

المطلوب الآن: الانتقال من منطق «كم مسافراً؟» إلى «كيف سافر؟»

المغرب أمام فرصة كبيرة. الأرقام تؤكد أن الطلب موجود، والسياحة تنمو، والجالية تعود بكثافة، والمطارات تعرف استثمارات ضخمة.

لكن هذه الدينامية تحتاج إلى مقاربة شمولية لجودة تجربة السفر.

فلا معنى لأن نعلن كل شهر عن ملايين المسافرين الجدد، إذا كان جزء منهم سيغادر المطار وهو غاضب بسبب ساعات الانتظار، أو غياب المعلومات، أو سوء تدبير الأمتعة، أو ارتفاع الأسعار، أو ضعف الخدمات.

ولا معنى كذلك لتوسيع مطار فاس سايس ورفع قدرته إلى خمسة ملايين مسافر إذا لم تتطور معه طريقة استقبال هؤلاء الملايين وتوجيههم وخدمتهم.

المغرب لا يحتاج فقط إلى مطارات تستقبل ملايين المسافرين؛ بل يحتاج إلى مطارات تجعل هؤلاء المسافرين يريدون العودة مرة أخرى.

وهذه هي المعادلة التي يجب أن تبدأ من فاس سايس: الأرقام مهمة، لكنها وحدها لا تكفي؛ البنية التحتية ضرورية، لكن جودة الخدمة هي التي تمنحها معناها؛ والاستثمار في المطار لا يكتمل إلا بالاستثمار في كرامة وراحة المسافر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى