قضايا

فضيحة سندات الطلب… حين تتحول جماعات ترابية إلى أبقار حلوب لشركات وهمية وفساد مقنع

في واحدة من أكثر صور العبث بالمال العام وقاحة، كشفت معطيات دقيقة توصلت بها المفتشية العامة للمالية عن فضيحة صادمة تُدار فصولها بهدوء داخل دواليب الجماعات الترابية، حيث يجري استنزاف الميزانيات المحلية من خلال سندات طلب وهمية، تُمنح لشركات لم تُنجز شيئًا على الأرض، لكنها قبضت أوامر الخدمة وتلاعبت بأعصاب المواطنين وحاجياتهم الملحة.

مفتشية المالية التي دخلت على الخط بشكل متسارع باشرت عمليات تدقيق معمقة حول سندات الطلب المبرمة بين جماعات وشركات، بعدما توصلت بإشعارات من آمرين بالصرف حول ارتفاع مثير لمخزون سندات غير مفعّلة، ما أدى إلى إرباك توازنات الميزانية وخنق قدرات الجماعات على الوفاء بالتزاماتها تجاه الساكنة.

في التفاصيل، يظهر أن عددًا من الشركات، بينها مقاولات صغرى وصغيرة جدًا، حصلت على “أوامر بالخدمة” في مشاريع تجهيز أو توريد، ثم تنكّرت لالتزاماتها واختفت من المشهد، دون إنجاز الأشغال المتعاقد عليها. المفارقة أن بعض هذه الشركات كانت تعلم مُسبقًا أنها غير قادرة على تنفيذ ما التزمت به، بل دخلت اللعبة فقط من أجل “تحصيل شهادة مرجعية” تُؤهلها لخوض صفقات أكبر مستقبلاً، فيما أخرى نالت مشاريع بمئات الكيلومترات من مقراتها دون أي مبرر منطقي، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير الانتقاء ومدى نزاهة العملية برمتها.

الأدهى من ذلك، أن عمليات التدقيق كشفت أن بعض الجماعات مارست خلال السنوات الخمس الماضية “إفراطاً متعمداً” في استخدام سندات الطلب، لتسوية حسابات سياسية أو مالية، بعيدًا عن المقتضيات القانونية، وفي خرق فاضح للمادة 88 من مرسوم الصفقات العمومية. فبدل احترام شروط المنافسة المسبقة والاستشارات الكتابية، لجأت جماعات إلى اعتماد صفقات صورية، ومنحت سندات لشركات بعينها لسنوات متتالية، دون مراقبة أو محاسبة.

تم اعتماد بيانات أثمان غير مرقمة، وغير مؤرخة، وفي أحيان كثيرة دون أي وجود فعلي للعرض المقارن. هذا الاحتكار المُقنع لسوق الطلبيات العمومية يكشف عن شبكات فساد محلية منظمة، تُسيّرها مصالح متشابكة داخل بعض الجماعات الترابية، تحولت بموجبها مؤسسات منتخبة إلى آليات تفويت ريعي تحت غطاء القانون.

كل ذلك يحدث في وقت تعاني فيه البنية التحتية في مدن وقرى مغربية من التدهور، وتشتكي الساكنة من غياب أبسط التجهيزات والخدمات الأساسية. فكيف يُعقل أن تُبرمج اعتمادات في الميزانية ولا يُنفّذ منها شيء؟ وكيف يُسمح لشركات، بعضها أشبه بـ”مقاولات الأسماء فقط”، بأن تتحكم في مسارات التنمية المحلية، ثم تختفي دون حسيب أو رقيب؟

أمام هذه المعطيات، لم يعد من المقبول الحديث بلغة التبرير أو دفن الرؤوس في الرمال. المطلوب اليوم تحريك المسطرة التأديبية في حق رؤساء جماعات ثبت تقصيرهم أو تواطؤهم، وتفعيل المادة 158 من مرسوم الصفقات العمومية، التي تخول إقصاء الشركات المخلة، وفسخ العقود التي لم يُحترم فيها الحد الأدنى من الالتزام.

المال العام ليس مزرعة خاصة ولا غنيمة سياسية، واستمرار هذا العبث يُضعف ثقة المواطن في مؤسساته، ويجعل من حديث الحكامة الجيدة والمراقبة مجرد شعارات جوفاء.

فهل تتحرك وزارة الداخلية والسلطات الرقابية لوضع حد لهذا النزيف؟ أم أن ملف “سندات الطلب” سيُطوى كما طُويت قبله آلاف الملفات المشابهة، التي كانت نهايتها طي النسيان، لا طي الحساب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى