قضايا

الحكامة والمساءلة: مقصلة القضاء تلاحق “نخبة” المنتخبين وسط تعبئة مؤسساتية لمحاصرة الفساد

تشهد الساحة السياسية والقانونية بالمملكة حركية غير مسبوقة مع تصاعد وتيرة المتابعات القضائية التي تستهدف “منتخبين كباراً” ونخبة من مدبري الشأن العام المحلي والوطني، حيث دخلت عمليات تفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” مرحلة حاسمة من خلال تحقيقات تفصيلية ومحاكمات ماراثونية وضعت أسماء بارزة تحت مجهر القضاء. ويأتي هذا الحراك القضائي في سياق يتسم بصرامة الدولة في مواجهة الاختلالات التدبيرية، مدفوعةً بتقارير مؤسساتية سوداء كشفت عن ثقوب واسعة في عباءة التسيير الجماعي والبرلماني، مما ينذر بإعادة تشكيل الخارطة الانتخابية المقبلة وتطهير الممارسة السياسية من الشوائب التي مست بقدسية المال العام.

تتوزع صكوك الاتهام التي تلاحق أكثر من عشرة من كبار المنتخبين، بينهم نواب برلمانيون ورؤساء جماعات ترابية، بين ممارسات جنائية وجنحية خطيرة تتجاوز مجرد “أخطاء التدبير” لتصل إلى جرائم “فساد مالي” مكتملة الأركان. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الملفات المعروضة على غرف الجنايات المختصة بجرائم الأموال تشمل قضايا “تبييض الأموال” الناتجة عن أنشطة مشبوهة، و”الاستيلاء على الأراضي السلالية وأملاك الدولة” عبر طرق تدليسية، بالإضافة إلى “تزوير محررات رسمية” و”تبديد أموال عمومية” من خلال صفقات مشبوهة شابتها عيوب تضارب المصالح. هذا ولم تقتصر المتابعات على الجانب المهني، بل امتدت لتشمل قضايا “إصدار شيكات بدون رصيد” و”التهرب الضريبي”، مما يعكس شمولية الرقابة القضائية التي باتت تلاحق المنتخبين في ذممهم المالية الشخصية والعمومية على حد سواء.

في تطور لافت، كثفت الوكالة القضائية للمملكة من أدوارها كطرف مدني يسعى لاسترداد حقوق الدولة الضائعة، حيث أحالت رزمة من الملفات الثقيلة المتعلقة برؤساء جماعات سابقين وبرلمانيين حاليين على القضاء للبث فيها. وتفيد مصادر مطلعة بأن محاكم الاستئناف المختصة قد قاربت على حسم مجموعة من هذه الملفات التي استغرق النظر فيها أشهراً، وسط توقعات بصدور أحكام قضائية نهائية قبيل انطلاق “الدورة البرلمانية الربيعية”. ومن شأن هذه الأحكام المرتقبة أن تؤدي إلى “زلزال سياسي” داخل المؤسسة التشريعية، إذ من المتوقع أن يسقط نواب برلمانيون من مقاعدهم بقوة القانون نتيجة فقدان الأهلية الانتخابية، مما يفتح الباب أمام انتخابات جزئية ستكون بمثابة اختبار حقيقي للأحزاب السياسية في كيفية اختيار نخبها مستقبلاً.

تستمد هذه المتابعات قوتها القانونية من التقارير التفصيلية التي أنجزتها “المفتشية العامة للإدارة الترابية” التابعة لوزارة الداخلية، و”المجلس الأعلى للحسابات”، وهي الوثائق التي شكلت “خارطة طريق” للنيابة العامة في تعقب الاختلالات. وقد تضمنت هذه التقارير خروقات جسيمة في قطاعات “التعمير” و”التجهيزات الجماعية” ومنح الرخص الاستثنائية خارج القانون. وبناءً على هذه المعطيات، توصلت مديرية الجماعات الترابية بملفات سوداء تضع عدداً من الرؤساء في مواجهة مباشرة مع العزل الإداري والمنع من الترشح للاستحقاقات الانتخابية القادمة، كإجراء احترازي يهدف إلى ضمان نزاهة التنافس السياسي ومنع “لوبيات الفساد” من العودة إلى مراكز القرار العمومي، وتكريس سلطة القانون فوق أي اعتبارات سياسية أو حزبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى