ثقافة

نحو نموذج تنموي جديد بالجديدة.. سيدي صالح داحا يشعل دينامية الابتكار ويُقرب الجامعة من السلطة الترابية

في مشهد يعكس التحول العميق الذي تعرفه مقاربات التنمية الترابية بالمغرب، احتضنت مدينة الجديدة حدثاً علمياً وفكرياً بارزاً أكد أن مستقبل الأقاليم لم يعد يُصنع فقط داخل المكاتب الإدارية أو المؤسسات المنتخبة، بل أصبح يُبنى أيضاً داخل الجامعات ومراكز البحث ومختبرات الابتكار.

فبمبادرة من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير التابعة لجامعة شعيب الدكالي، وبدعم من عمالة إقليم الجديدة وشركائها المؤسساتيين، التأمت نخبة من الأكاديميين والخبراء وصناع القرار والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في النسخة الثانية من ملتقيات الابتكار الترابي من أجل التنمية المستدامة (RIT-DD 2026)، التي تحولت إلى منصة وطنية للنقاش حول مستقبل العمل العمومي وآفاق التنمية الترابية بالمغرب.

ولم يكن حضور عمالة إقليم الجديدة في هذا الموعد العلمي مجرد مشاركة بروتوكولية، بل عكس توجهاً واضحاً يقوده عامل الإقليم سيدي صالح داحا، يقوم على جعل الجامعة شريكاً أساسياً في بلورة الرؤى التنموية واستشراف حلول مبتكرة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الإقليم.

عامل الإقليم يراهن على الشباب والكفاءات

على امتداد السنوات الأخيرة، برزت إرادة حقيقية لدى السلطات الإقليمية بالجديدة لفتح المجال أمام الكفاءات الجامعية والطاقات الشابة للمساهمة في النقاش العمومي وإنتاج الأفكار القادرة على خدمة التنمية المحلية.

ويُجمع متابعون للشأن المحلي على أن عامل الإقليم سيدي صالح داحا جعل من دعم المبادرات الجامعية والعلمية أحد مرتكزات العمل الترابي، إيماناً منه بأن التنمية الحديثة لا يمكن أن تقوم فقط على البنيات التحتية والاستثمارات، بل تحتاج أيضاً إلى رأسمال بشري مؤهل وقادر على الابتكار وصناعة الحلول.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الملتقى الذي جمع لأول مرة بهذا الزخم باحثين وخبراء ومسؤولين وممثلين عن عالم المقاولة والمجتمع المدني، في محاولة لبناء جسور جديدة بين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات التدبير العمومي.

الجديدة في قلب النقاش الوطني

واختارت هذه الدورة موضوعاً يحمل الكثير من الدلالات: “إعادة التفكير في تدبير الأقاليم: أي تحولات للعمل العمومي بالمغرب؟ دراسة حالة: الجديدة”.

ولم يكن اختيار الجديدة صدفة، فالإقليم تحول خلال السنوات الأخيرة إلى قطب اقتصادي وصناعي وطاقي من الطراز الأول، بفضل مشاريع استراتيجية كبرى، في مقدمتها المنصة الصناعية والمينائية للجرف الأصفر، والمشاريع المرتبطة بالطاقة والصناعة والفلاحة والسياحة.

غير أن هذا التطور يفرض في المقابل التفكير في نماذج جديدة للحكامة الترابية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة وضمان استفادة الساكنة من ثمار التنمية.

الجامعة تخرج من أسوارها

ما ميز هذا اللقاء العلمي هو انتقال الجامعة من دورها التقليدي كمؤسسة للتكوين إلى فاعل مباشر في النقاش التنموي.

فالجلسات العلمية والطاولات المستديرة التي ناقشت قضايا الصحة الشاملة والتنافسية الصناعية والتشغيل أظهرت أن الجامعات المغربية أصبحت تمتلك من الخبرات والكفاءات ما يؤهلها للمساهمة في صياغة السياسات العمومية واقتراح الحلول العملية لمشاكل التنمية.

كما شكل الملتقى مناسبة للإعلان عن إطلاق مختبر التصميم والبناء المشترك للأقاليم، وهي مبادرة نوعية تروم خلق فضاء دائم للتفكير الجماعي يجمع بين الباحثين والإدارة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

رسالة قوية من الجديدة

بعيداً عن الطابع الأكاديمي للحدث، حمل الملتقى رسالة سياسية وتنموية واضحة مفادها أن المغرب الجديد الذي يراهن عليه جلالة الملك محمد السادس يقوم على المعرفة والابتكار وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.

كما أكد أن الأقاليم التي تريد كسب رهانات المستقبل مطالبة بالاستثمار في الذكاء الجماعي وفي الكفاءات الوطنية، بدل الاكتفاء بالحلول التقليدية التي أثبتت محدوديتها أمام تعقيدات المرحلة الراهنة.

نحو نموذج تنموي جديد

لقد نجحت الجديدة، من خلال هذا الموعد العلمي، في تقديم نموذج مختلف للتفكير في التنمية، نموذج يجعل من الطالب والباحث والأستاذ الجامعي فاعلاً أساسياً في صناعة القرار، ومن الجامعة شريكاً استراتيجياً للإدارة الترابية والمقاولة والمجتمع.

وبقيادة عامل الإقليم سيدي صالح داحا، الذي يواصل تشجيع المبادرات العلمية والجامعية وفتح المجال أمام الطاقات الشابة للإبداع والمساهمة في تدبير الشأن العام، تبدو الجديدة اليوم أكثر من أي وقت مضى مؤهلة للتحول إلى مختبر وطني للأفكار الجديدة والممارسات التنموية المبتكرة.

إنها رسالة مفادها أن تنمية الأقاليم لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات والمشاريع، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج المعرفة وتثمين الكفاءات وصناعة الأمل في مستقبل يقوده العلم والابتكار والعمل المشترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى