اقتصاد

المغرب يغيّر خريطة بنيته التحتية قبل 2030.. أوراش عملاقة من ملعب الحسن الثاني إلى طنجة والناظور والداخلة والقطار فائق السرعة

تعيش المملكة المغربية منذ سنوات وبفظل الرؤية الملكية السامية، على إيقاع أوراش كبرى تعيد رسم خريطة البنية التحتية الوطنية، في وقت تتسارع فيه وتيرة إنجاز مشاريع استراتيجية مرتبطة بالموانئ والطرق السيارة والسكك الحديدية والمنشآت الرياضية واللوجستية، استعداداً لاستحقاقات كبرى في مقدمتها كأس إفريقيا للأمم وكأس العالم 2030، ولكن أيضاً في إطار رؤية أوسع تروم تعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي وربط مختلف جهات المملكة بشبكات نقل ولوجستيك حديثة.

وتكشف المعطيات المتوفرة خلال سنة 2026 أن المغرب لا يراهن على مشروع منفرد، وإنما يعمل على بناء منظومة متكاملة تمتد من الواجهة المتوسطية إلى المحيط الأطلسي، ومن طنجة والناظور إلى الداخلة، مروراً بالدار البيضاء والرباط ومراكش، بالتوازي مع استثمارات ضخمة في النقل السككي والطرق والبنيات المرتبطة بالموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية.

ويأتي ملعب الحسن الثاني ببنسليمان في مقدمة هذه المشاريع، باعتباره أحد أكثر الأوراش الرياضية طموحاً في المملكة. فالمشروع يمتد على مساحة تقارب 100 هكتار، بطاقة استيعابية تصل إلى 115 ألف متفرج، فيما تبلغ الميزانية المعلنة للمشروع حوالي 5 مليارات درهم وفق معطيات المركز الجهوي للاستثمار لجهة الدار البيضاء-سطات. ويهدف المشروع إلى إنجاز مركب رياضي متكامل يضم، إلى جانب الملعب، مرافق رياضية وتجارية وفندقية ومركزاً للمؤتمرات والمعارض.

وبحسب آخر المعطيات المنشورة خلال سنة 2026، كان مستوى تقدم أشغال الملعب قد بلغ حوالي 40 في المائة خلال مايو، مع تعبئة آلاف العمال وعدد كبير من الرافعات ومعدات البناء، بينما تتواصل مراحل الأشغال الكبرى والتهيئة المعمارية والتجهيزات المرتبطة بالمركب. كما أطلقت الوكالة الوطنية للتجهيزات العمومية صفقات جديدة مرتبطة بأشغال التغطية والواجهات، بغلاف يناهز 3.3 مليارات درهم، في إطار مرحلة جديدة من بناء هذه المنشأة العملاقة.

وفي الواجهة المتوسطية، يتحول مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط تدريجياً من ورش ضخم إلى منشأة تستعد للدخول الفعلي إلى الخدمة. ويُقام هذا المركب في موقع استراتيجي على خليج باطويا، بالقرب من طرق الملاحة البحرية الرئيسية بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، ويضم ميناء للمياه العميقة ومحطات للحاويات والطاقة والسلع المختلفة، إلى جانب منصة صناعية ولوجستية متكاملة. وتحدد الشركة المكلفة بالمشروع، في مكونه الأول، طاقة أولية لمحطة الحاويات في حدود 3 ملايين حاوية، مع إمكانية إضافة مليوني حاوية أخرى مستقبلاً.

واللافت في هذا الورش أن سنة 2026 تشهد الانتقال من مرحلة البناء إلى مرحلة الإعداد للتشغيل. فقد أعلنت مصادر متخصصة أن محطة الحاويات الشرقية باتت جاهزة لاستقبال أولى الرحلات التجارية، فيما وصلت ثلاث رافعات عملاقة مخصصة لمناولة سفن الحاويات إلى الميناء خلال شتنبر الجاري. ومن المرتقب أن تبدأ العمليات التجارية تدريجياً خلال الربع الأخير من سنة 2026، على أن تتواصل عملية تشغيل مختلف مكونات المركب إلى غاية 2027.

ولا ينفصل الميناء عن شبكة طرقية جديدة يجري إنجازها لخدمة المركب الصناعي واللوجستي. فقد تجاوز إنجاز مقطع الطريق السيار الرابط بين الدريوش وميناء الناظور غرب المتوسط نسبة 95 في المائة، ضمن مشروع طرقي تبلغ قيمته حوالي 7.8 مليارات درهم، بما سيعزز الربط المباشر للميناء بالشبكة الوطنية للطرق السيارة.

وفي أقصى الجنوب، يواصل ميناء الداخلة الأطلسي تغيير ملامح الواجهة البحرية للمملكة. فقد تجاوزت نسبة تقدم الأشغال 60 في المائة خلال سنة 2026، ووصلت في يونيو إلى نحو 62 في المائة، بينما بلغت نسبة إنجاز الجسر البحري، الذي يمتد على حوالي 1.3 كيلومتر، نحو 85 في المائة. ويبلغ الاستثمار الإجمالي للمشروع حوالي 12.6 مليار درهم.

ولا يتعلق الأمر ببناء ميناء تقليدي فقط، إذ يتضمن المشروع ميناءً تجارياً وميناءً للصيد ومنشآت لإصلاح السفن، فضلاً عن مناطق صناعية ولوجستية وخدماتية. وتقدر المعطيات الرسمية المنشورة طاقة الميناء عند اكتمال منظومته بحوالي 35 مليون طن سنوياً، مع إمكانية مناولة الحاويات والسلع المختلفة، بما يجعله أحد المشاريع التي تراهن عليها المملكة لتعزيز ارتباط أقاليم الجنوب بالمبادلات التجارية الإفريقية والدولية.

وفي الشمال، يظل ميناء طنجة المتوسط أحد المحاور الأساسية التي ينطلق منها هذا التحول اللوجستي، بينما يأتي الناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي كامتداد لمنظومة بحرية مغربية تتوزع بين المتوسط والأطلسي، وتستهدف تطوير قدرات المملكة في النقل البحري والمناطق الصناعية وسلاسل الإمداد وربط الأسواق الإفريقية بالاقتصاد العالمي.

أما على مستوى السكك الحديدية، فإن التحول لا يقل ضخامة. فقد رصد المكتب الوطني للسكك الحديدية برنامجاً استثمارياً إجمالياً بقيمة 96 مليار درهم في أفق 2030، يشمل مشروع الخط فائق السرعة القنيطرة-مراكش، واقتناء 168 قطاراً جديداً، إلى جانب استثمارات مرتبطة بتطوير الشبكة والمحطات والنقل السككي الحضري والجهوي.

ويمتد مشروع الخط فائق السرعة القنيطرة-مراكش على 430 كيلومتراً، ويشكل امتداداً للخط الرابط بين طنجة والقنيطرة. وقد أعلن المكتب الوطني للسكك الحديدية أن عمليات اقتناء العقارات المرتبطة بالمشروع استكملت تقريباً، فيما دخلت الأشغال في مراحل متقدمة على عدد من المقاطع، في إطار مشروع يراد له أن يعيد تنظيم حركة التنقل بين المحاور الاقتصادية الكبرى للمملكة.

وعند اكتمال المشروع، سيصبح بالإمكان ربط طنجة بمراكش في حوالي ساعتين وأربعين دقيقة، بينما ستصل مدة الرحلة بين طنجة والرباط إلى ساعة واحدة، وبين طنجة والدار البيضاء إلى ساعة وأربعين دقيقة، وفق المعطيات التي نشرها المكتب الوطني للسكك الحديدية حول المشروع. كما يتضمن البرنامج ربط البنية السككية الجديدة بعدد من المطارات والملاعب والمنشآت الكبرى.

ولا يتوقف الرهان السككي عند مراكش، إذ يشكل هذا المشروع جزءاً من رؤية أوسع لتطوير منظومة النقل الوطنية، تشمل تحديث المحطات وتوسيع شبكة القطارات وتطوير خدمات النقل الحضري والجهوي. ويؤكد البرنامج الرسمي أن مبلغ 29 مليار درهم مخصص لاقتناء 168 قطاراً من الجيل الجديد، بينما خصصت 14 مليار درهم للحفاظ على أداء الشبكة وتطوير عدد من المحطات والمنظومات المرتبطة بها.

وبذلك، تبدو صورة المغرب قبل 2030 مرتبطة بورش بنيوي متكامل، لا يقتصر على الملاعب التي ستحتضن المنافسات الرياضية، ولا على القطارات التي ستختصر المسافات بين المدن، ولا على الموانئ التي توسع حضور المملكة في التجارة البحرية، وإنما يجمع هذه المشاريع ضمن منظومة واحدة تقوم على تسريع التنقل، وتوسيع القدرات اللوجستية، وجذب الاستثمار، وربط الإنتاج الوطني بالأسواق الدولية.

ومن ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، الذي يتجه نحو احتضان عشرات الآلاف من الجماهير، إلى ميناء الناظور غرب المتوسط على الواجهة المتوسطية، ومن ميناء الداخلة الأطلسي في الجنوب إلى شبكة القطار فائق السرعة الممتدة نحو مراكش، يتشكل على الأرض واحد من أكبر برامج تحديث البنية التحتية في تاريخ المغرب الحديث، في أفق سنة 2030، مع استمرار إنجاز مشاريع أخرى في الطرق والمطارات والموانئ والسكك والمرافق الرياضية والصناعية.

وإذا كانت كأس العالم 2030 تمثل موعداً دولياً حاسماً، فإن حجم الاستثمارات المبرمجة يتجاوز بكثير متطلبات تنظيم التظاهرة، إذ ترتبط المشاريع المعلنة بأهداف طويلة المدى تخص الاقتصاد واللوجستيك والتنقل والتصنيع والتنمية الترابية، وهو ما يجعل السنوات القليلة المقبلة مرحلة مفصلية في إعادة تشكيل البنية التحتية والقدرات الاقتصادية للمملكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى