سياسة

تقرير الباروميتر العربي يرصد تحولات الرأي العام بالمغرب.. تحسن الثقة بالحكومة يقابله استمرار الغلاء وانعدام الأمن الغذائي ومخاوف الفساد

كشف أحدث تقرير للباروميتر العربي حول المغرب، الصادر في 29 أكتوبر 2026 ضمن الدورة التاسعة، عن صورة مركبة لاتجاهات الرأي العام الوطني، تجمع بين مؤشرات تحسن في تقييم الأوضاع الاقتصادية وأداء المؤسسات الحكومية، وبين استمرار ضغوط المعيشة واتساع المخاوف المرتبطة بالأمن الغذائي والفساد وجودة الخدمات العمومية.

ويقدم التقرير، الذي يحمل عنوان «تقرير الرأي العام المغربي 2025»، قراءة كمية لمواقف المواطنين من الاقتصاد والحكومة والمؤسسات السياسية والهجرة والديمقراطية والخدمات العمومية والبيئة، مستندا إلى استطلاع ميداني شمل 1210 مواطنين من مختلف جهات المملكة الاثنتي عشرة، عبر مقابلات مباشرة أجريت خلال الفترة الممتدة من 23 غشت إلى 6 شتنبر 2025، بهامش خطأ يقارب 3 نقاط مئوية.

ومن أبرز الخلاصات التي يطرحها التقرير أن تحسن تقييمات المواطنين لبعض المؤشرات الاقتصادية والمؤسساتية لم يؤد بالضرورة إلى شعور مماثل بالاطمئنان تجاه المستقبل، إذ يبدو أن جزءا مهما من الأسر لا يزال يعيش تحت ضغط النفقات اليومية وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية، وهو ما يجعل قراءة الأرقام بعيدا عن سياقها الاجتماعي قراءة غير مكتملة.

الاقتصاد والقدرة الشرائية.. تحسن في التقييمات لا يلغي معاناة الأسر

في ترتيب التحديات التي يعتبرها المغاربة الأكثر إلحاحا، جاء الوضع الاقتصادي في المقدمة بنسبة 22 في المائة، متبوعا بالخدمات العامة بنسبة 18 في المائة، ثم الفساد المالي والإداري بنسبة 15 في المائة، والهجرة بنسبة 11 في المائة، فيما سجل التدخل الأجنبي 10 في المائة.

وعلى مستوى تقييم الوضع الاقتصادي الراهن، اعتبر 41 في المائة من المستجوبين أن الأوضاع جيدة أو جيدة جدا، مقابل 33 في المائة في استطلاع 2023-2024، وهو ما يمثل تحسنا بثماني نقاط مئوية. غير أن الصورة تتغير عندما يتعلق الأمر بتوقعات المستقبل؛ إذ لم تتجاوز نسبة المتفائلين بتحسن الوضع الاقتصادي خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة 37 في المائة، مقابل 49 في المائة في الاستطلاع السابق.

وتكشف الأرقام المتعلقة بالأمن الغذائي عن جانب أكثر حساسية من الوضع الاجتماعي. فقد صرح 56 في المائة من المستجوبين بأن الطعام الذي اشترته أسرهم خلال الشهر السابق لم يكن يكفي، غالبا أو أحيانا، لتلبية احتياجاتها، فيما قال 34 في المائة إنهم اضطروا إلى الاكتفاء بأصناف قليلة من الطعام بسبب نقص الموارد، وأفاد 29 في المائة بأنهم اضطروا إلى تفويت إحدى الوجبات، بينما أكد 32 في المائة أن الطعام نفد من منازلهم خلال الفترة نفسها.

وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تكشف أن تحسن بعض المؤشرات العامة للاقتصاد لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية لدى جميع الفئات، كما أن آثار الغلاء لا تتوزع بالتساوي بين الأسر. فالتقرير يبرز أن المواطنين غير القادرين على تغطية نفقاتهم الأساسية أكثر عرضة لمظاهر انعدام الأمن الغذائي، وأن الشباب بدورهم يواجهون مستويات أعلى من القلق بشأن توفر الغذاء مقارنة بالفئات الأكبر سنا.

أما بخصوص الأولويات التي ينتظر المواطنون من الحكومة التعامل معها، فقد اختار 22 في المائة خفض تكاليف المعيشة، و13 في المائة توفير فرص العمل، والنسبة نفسها دعم المشاريع الصغيرة، فيما دعا 14 في المائة إلى زيادة الأجور، و12 في المائة إلى إصلاح التعليم.

وتؤكد هذه النتائج أن انتظارات المواطنين لا تختزل في معالجة البطالة وحدها، بل تشمل منظومة متكاملة من المطالب المرتبطة بالأجور والأسعار والسكن والتعليم والفرص الاقتصادية.

الثقة بالمؤسسات وأداء الحكومة.. ارتفاع ملحوظ تفرضه النتائج والتحديات

في مقابل الضغوط الاجتماعية، سجل التقرير ارتفاعا في مستويات الثقة بعدد من المؤسسات السياسية. فقد بلغت نسبة المغاربة الذين يعبرون عن ثقة كبيرة أو كبيرة جدا في الحكومة 52 في المائة، بزيادة 19 نقطة مئوية مقارنة باستطلاع 2023-2024.

كما ارتفعت الثقة في رئيس الحكومة إلى 45 في المائة، وفي البرلمان إلى 51 في المائة، فيما بلغت الثقة في الحكومات الجهوية 56 في المائة.

وعلى مستوى تقييم الأداء الحكومي العام، أعرب نصف المستجوبين تقريبا عن رضاهم أو رضاهم التام، مقابل 29 في المائة في الاستطلاع السابق. كما ارتفعت نسبة الرضا عن النظام التعليمي إلى 48 في المائة، وعن الرعاية الصحية إلى 45 في المائة.

وفي الملفات الاقتصادية، اعتبر 48 في المائة أن الحكومة تؤدي عملا جيدا أو جيدا جدا في توفير فرص العمل، فيما قيّم 46 في المائة أداءها بإيجابية في تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وأشاد 47 في المائة بجهودها في التعامل مع ارتفاع الأسعار.

غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعني أن جميع المؤسسات والخدمات سجلت التحسن نفسه. فقد تراجعت الثقة في المحاكم إلى 59 في المائة، وفي منظمات المجتمع المدني إلى 55 في المائة، بينما بلغت الثقة في الشرطة 66 في المائة، وفي القوات المسلحة الملكية 70 في المائة.

كما سجل التقرير تراجعا في مستويات الرضا عن بعض الخدمات الأساسية خلال العامين الماضيين؛ إذ بلغت نسبة الرضا عن خدمات الكهرباء 62 في المائة، وعن إمدادات المياه 57 في المائة، وعن جمع النفايات 58 في المائة، وهي مؤشرات تبرز استمرار تفاوت تقييم المواطنين لجودة الخدمات العمومية.

وتظهر النتائج أيضا أن الوضع الاقتصادي للأسرة يؤثر بوضوح في مستوى الثقة والرضا؛ فالأشخاص القادرون على تغطية نفقاتهم الأساسية أكثر ميلا إلى الثقة في الحكومة والبرلمان، وأكثر رضا عن الخدمات مقارنة بالأسر التي تواجه صعوبات مالية.

الفساد.. ستة من كل عشرة يعتبرونه منتشرا داخل مؤسسات الدولة

رغم تحسن تقييمات المواطنين لبعض جوانب الأداء الحكومي، يظل الفساد من أبرز مصادر القلق. فقد أظهر التقرير أن نحو 6 من كل 10 مغاربة يرون أن الفساد منتشر بدرجة كبيرة أو متوسطة داخل مؤسسات الدولة، وإن كانت هذه النسبة قد تراجعت من 74 في المائة في استطلاع 2023-2024.

وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة الذين يعتقدون أن الحكومة تعمل على مكافحة الفساد 47 في المائة، وهي النسبة نفسها تقريبا المسجلة في الاستطلاع السابق.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية بالنظر إلى أن مكافحة الفساد لا ترتبط فقط بالتصريحات أو الإجراءات المعلنة، وإنما بمدى شعور المواطنين بوجود أثر ملموس على مستوى الشفافية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن استمرار هذا التصور لدى شريحة واسعة من المستجوبين يضع جودة الحكامة وتدبير المرافق العمومية ضمن الملفات التي تحتاج إلى مواصلة الإصلاح والتقييم.

الهجرة.. تراجع الرغبة في المغادرة واستمرار حضورها لدى الشباب

ومن النتائج التي تستحق التوقف عندها تراجع نسبة المغاربة الذين يفكرون في الهجرة إلى 16 في المائة، مقابل 35 في المائة في استطلاع 2023-2024.

لكن هذا التراجع لا يخفي استمرار الفوارق بين الفئات العمرية والاجتماعية؛ إذ أفاد نحو ربع الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة بأنهم يفكرون في الهجرة، مقابل 13 في المائة لدى من تبلغ أعمارهم 30 سنة فما فوق.

كما أن الدوافع الاقتصادية تصدرت أسباب التفكير في مغادرة البلاد، بنسبة 54 في المائة، متبوعة بالبحث عن فرص التعليم بنسبة 19 في المائة، ثم لمّ شمل الأسرة بنسبة 14 في المائة.

وتشير هذه النتائج إلى أن الهجرة تظل مرتبطة، بالنسبة إلى شريحة من الشباب، بالبحث عن فرص أفضل في العمل والتعليم وتحسين ظروف العيش، رغم الانخفاض المسجل في النسبة الإجمالية للراغبين فيها.

الديمقراطية والمشاركة السياسية.. اهتمام بالشأن العام ومشاركة مدنية محدودة

على المستوى السياسي، أظهر الاستطلاع أن 53 في المائة من المغاربة يعتبرون الديمقراطية أفضل دائما من أي شكل آخر للحكم، مقابل نسبة أعلى بلغت 60 في المائة في الاستطلاع السابق، فيما يرى 51 في المائة أن الأنظمة الديمقراطية قد تواجه مشكلات، لكنها تظل أفضل من البدائل الأخرى.

كما أفاد 42 في المائة بأنهم مهتمون أو مهتمون جدا بالسياسة، وهي نسبة لافتة ضمن البلدان المشمولة بالدورة التاسعة، غير أن هذا الاهتمام لا ينعكس بالقدر نفسه على الانخراط في الجمعيات والمنظمات؛ إذ لم تتجاوز نسبة المنتمين إلى منظمة أو مجموعة أو ناد 8 في المائة، بينما قال 12 في المائة إنهم يشاركون في أنشطة تطوعية خلال شهر اعتيادي.

وفي ما يتعلق بالحريات، اعتبر 62 في المائة أن حرية التعبير مضمونة بدرجة كبيرة أو متوسطة، ورأى 55 في المائة أن حرية المشاركة في الاحتجاجات السلمية مكفولة، بينما بلغت نسبة من يرون أن حرية الصحافة مضمونة 60 في المائة، مسجلة تراجعا مقارنة بالاستطلاع السابق.

الماء والبيئة.. القلق يتزايد بشأن الندرة والتلوث

لم يغفل التقرير التحديات البيئية التي باتت تحتل موقعا متقدما في اهتمامات المغاربة، حيث اعتبر 54 في المائة أن ندرة المياه أو تلوثها يمثلان أخطر مشكلة بيئية تواجه البلاد، بزيادة 14 نقطة مئوية مقارنة باستطلاع 2023-2024.

كما أعرب أكثر من نصف المستجوبين عن قلقهم من الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ، فيما قال 62 في المائة إنهم يخشون أن تؤدي التغيرات المناخية إلى اضطرار أسرهم لمغادرة أماكن إقامتها.

وتبرز هذه الأرقام حجم التحول الذي فرضته تحديات الإجهاد المائي والتغيرات المناخية على الوعي العام، وما يرافقها من مطالب بتعزيز تدبير الموارد المائية وتطوير سياسات التكيف مع المناخ.

مؤشرات إيجابية لا تحجب الأسئلة الاجتماعية الكبرى

تكمن أهمية تقرير الباروميتر العربي في أنه لا يقدم صورة أحادية عن المغرب، بل يرصد تداخلا بين مؤشرات تحسن الثقة والأداء الحكومي من جهة، واستمرار الضغوط المعيشية والمخاوف الاجتماعية من جهة أخرى.

فارتفاع الثقة في الحكومة والبرلمان، وتحسن تقييم التعليم والرعاية الصحية، وتراجع التفكير في الهجرة، كلها نتائج تستحق التسجيل، لكنها لا تلغي أن أكثر من نصف المستجوبين أشاروا إلى صعوبات في توفير الغذاء الكافي لأسرهم، وأن الفساد لا يزال حاضرا بقوة في تصورات المواطنين، وأن التفاؤل بالمستقبل الاقتصادي تراجع مقارنة بالاستطلاع السابق.

وبذلك، يضع التقرير أمام المؤسسات العمومية والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين مجموعة من الأولويات التي تتجاوز المؤشرات العامة إلى تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة: القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات، والشفافية، والعدالة في توزيع ثمار النمو.

ويبقى من الضروري التأكيد أن هذه النتائج تعكس آراء عينة وطنية ممثلة جرى استطلاعها في غشت وشتنبر 2025، ولا تمثل قياسا آنيا لمواقف المغاربة في نونبر 2026. غير أنها تقدم مؤشرا بحثيا مهما لفهم اتجاهات الرأي العام والتحولات التي عرفتها أولويات المواطنين خلال الفترة التي شملها المسح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى