لقجع في مواجهة أسئلة الأغلبية والمعارضة داخل لجنة المالية.. 62 مليار درهم تحت المجهر ووعود اجتماعية تمتد إلى 2031

تحول اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، المنعقد أمس الأربعاء 28 أكتوبر، إلى محطة بارزة في النقاش السياسي حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، بعدما تباينت مواقف الفرق النيابية بشأن حقيقة التحول الاجتماعي الذي تعد به الحكومة الجديدة، ومدى قدرة الاختيارات المالية المعتمدة على الاستجابة للانتظارات اليومية للمغاربة. ووجد فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، أمامه أسئلة تتجاوز عرض المؤشرات المالية إلى مساءلة القيمة المضافة للإجراءات المعلنة، ومصادر تمويلها، والآجال المحددة لتنفيذها.
وجاء الاجتماع، الذي انعقد برئاسة مولاي هشام المهاجري، في سياق انتقال مشروع القانون المالي من مرحلة العرض أمام البرلمان إلى مرحلة المناقشة التفصيلية داخل اللجنة المختصة، حيث برز اختلاف واضح بين فريق الأصالة والمعاصرة والفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، اللذين دافعا عن عدد من التدابير الحكومية، وفريقي التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، اللذين أثارا تساؤلات بشأن أثر هذه الإجراءات على القدرة الشرائية، وواقعية الفرضيات الاقتصادية، وشروط إصلاح أنظمة التقاعد.
62 مليار درهم.. أين تبدأ الالتزامات الجديدة وأين تنتهي البرامج السابقة؟
كان الغلاف المالي المعلن عنه بقيمة 62 مليار درهم من أبرز محاور النقاش، بعدما شكك ياسين عكاشة، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، في اعتباره مؤشرا كافيا على إطلاق تحول اجتماعي واقتصادي جديد. واعتبر أن المبلغ يجمع التزامات متفاوتة الطبيعة، بعضها امتداد لبرامج وإصلاحات قائمة، وهو ما يستدعي التمييز بين الاعتمادات الإضافية الجديدة والنفقات المخصصة لمواصلة أوراش سابقة.
ولم يقف موقف فريق الأحرار عند حدود التساؤل عن طبيعة هذا الغلاف، بل امتد إلى انتقاد ما اعتبره تناقضا بين خطاب التغيير الذي ترفعه الحكومة الجديدة والاختيارات المالية التي تواصل، بحسب قراءته، عددا من التوجهات السابقة. كما أثار عكاشة النقاش بشأن استعمال مفاهيم من قبيل الرأسمالية المتوحشة والنيوليبرالية في توصيف التجربة الحكومية الماضية، داعيا إلى التركيز على النتائج الملموسة بدل السجال حول المصطلحات.
وفي ملف الضريبة على الدخل، تساءل الفريق عن الأثر الفعلي للتخفيضات الموعودة، خصوصا أن بلوغ عدد من أهداف الإصلاح يمتد، وفق المعطيات التي عرضها، إلى سنة 2031. كما طالب بتوضيح الفئات التي ستستفيد من الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات، وشروط الاستفادة، والجهات التي ستتحمل الكلفة المالية، سواء تعلق الأمر بالدولة أو المقاولات أو الأجراء أو صناديق التقاعد.
وتعكس هذه المداخلات جوهر الخلاف حول قراءة مشروع المالية: فالإعلان عن غلاف مالي كبير لا يحسم وحده مسألة الأثر الاجتماعي، ما لم تقترن الأرقام بتحديد واضح للاعتمادات الجديدة، والفئات المستفيدة، والجدول الزمني للتنفيذ، ومصادر التمويل.
الأغلبية تدافع عن الفرضيات والتدابير الاجتماعية
في المقابل، دافع هشام صابري، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، عن الفرضيات الاقتصادية التي بني عليها المشروع، معتبرا أنها تتسم بالواقعية. ويتعلق الأمر باستهداف نمو اقتصادي يبلغ 3.7 في المائة خلال سنة 2027، وتضخم في حدود 1.5 في المائة، وعجز ميزانياتي مستهدف في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، إلى جانب استثمارات عمومية مرتقبة بقيمة 400 مليار درهم.
كما ثمن صابري رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 600 درهم شهريا خلال سنة 2027، في أفق بلوغه 1000 درهم مع نهاية الولاية الحكومية، فضلا عن مواصلة دعم المستفيدين من نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتحسين معاشات الأرامل، والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات.
غير أن الدفاع عن هذه الإجراءات لم يكن مطلقا، إذ شدد صابري على أن تحسين القدرة الشرائية لا ينبغي أن يقتصر على الدعم الظرفي، بل يتطلب سياسة متكاملة تشمل تحسين الأجور والدخول، وتحقيق العدالة الجبائية، وتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والمضاربة والريع.
أما رحال المكاوي، رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، فنوه بالتوجه نحو إصلاح مسالك تسويق المواد الغذائية، وإحداث شركات جهوية لتجميع وتوزيع المنتجات، وتحديث أسواق الجملة، معتبرا أن هذه التدابير يمكن أن تسهم في معالجة الاختلالات التي تفصل المنتج عن المستهلك وتحد من تعدد الوسطاء.
وفي الوقت نفسه، طرح المكاوي سؤالا بشأن إمكانية تكثيف المجهود المالي خلال السنة الأولى أو السنتين الأوليين من الولاية الحكومية، عوض توزيع الزيادات على امتداد سنواتها، مع الإقرار بأن التدرج يرتبط بالظروف الاقتصادية والإمكانات المالية المتاحة.
ريم شباط تثير مخاطر الفرضيات الاقتصادية
من جهتها، شككت ريم شباط، رئيسة الفريق الحركي، في مدى واقعية بعض الفرضيات المعتمدة، معتبرة أن استهداف النمو المعلن عنه قد ينطوي على تفاؤل مفرط، بالنظر إلى ارتباط المحصول الفلاحي بالتقلبات المناخية واستمرار الإجهاد المائي.
كما نبهت إلى تأثير التطورات الجيوسياسية على أسعار الطاقة، وإلى ما تمثله خدمة الدين العمومي من ضغط على الهوامش المالية المتاحة لتمويل التنمية. وفي هذا السياق، أثارت مسألة تراجع الاعتمادات المخصصة لدعم المواد الأساسية من 22 مليار درهم سنة 2026 إلى 19.4 مليار درهم سنة 2027، متسائلة عن مدى كفاية الإصلاح التدريجي للضريبة على الدخل للاستجابة الفورية لانتظارات الطبقة المتوسطة.
ودعت شباط إلى اتخاذ إجراءات أكثر استعجالا لمحاربة المضاربة وتعدد الوسطاء، والحيلولة دون انتقال كلفة الزيادة الضريبية المفروضة على شركات المحروقات إلى المستهلك النهائي. كما طالبت برفع قيمة المنحة الجامعية وتعميمها على الطلبة وصرفها شهريا، وأثارت إشكالية انتقال معاش الموظفة المتوفاة إلى الزوج الأرمل والأيتام.
الصحة والتعليم والتشغيل.. اختبار الوعود بالأرقام
امتد النقاش إلى القطاعات الاجتماعية الأساسية، حيث أبرز الفريق الاستقلالي أهمية تخصيص 45.4 مليار درهم للصحة والحماية الاجتماعية، وإحداث 8000 منصب شغل، وتأهيل 1600 مركز للرعاية الصحية الأولية، ومواصلة تأهيل 90 مستشفى.
لكن المكاوي نبه إلى أن إحداث المناصب المالية لا يكفي وحده لمعالجة الخصاص، خاصة في صفوف الأطباء، داعيا إلى تحسين جاذبية المستشفى العمومي، وتطوير الحكامة، وتحسين أوضاع العاملين بالقطاع، وتمكين المؤسسات الاستشفائية من الاستفادة من موارد التأمين الصحي، مع إيلاء أهمية أكبر للرعاية الأولية والاستعجالات وجودة الاستقبال.
وفي قطاع التعليم، أشار النقاش إلى تخصيص 121.3 مليار درهم لمنظومة التربية والتعليم العالي والتكوين، وإحداث 15934 منصبا ماليا، وبناء 204 مؤسسات تعليمية جديدة، وإحداث 2000 قسم للتعليم الأولي.
كما دعا الفريق الاستقلالي إلى إعادة النظر في توزيع الاستثمار العمومي البالغ 400 مليار درهم، بما يضمن توجيه حصة أكبر إلى الجهات التي تعاني الخصاص، مع تفعيل دور صندوق التضامن بين الجهات في تقليص الفوارق المجالية.
لقجع أمام معادلة التمويل والتنفيذ
تكشف مداخلات اجتماع اللجنة أن التحدي الأساسي الذي يواجه مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يتعلق فقط بحجم الاعتمادات المعلنة، وإنما بكيفية التوفيق بين توسيع الإنفاق الاجتماعي، وتخفيف العبء الضريبي، وتقليص العجز والمديونية، من دون الإخلال باستدامة البرامج الاجتماعية.
فالحكومة تراهن على نمو بنسبة 3.7 في المائة، وعجز في حدود 3 في المائة، وتراجع مديونية الخزينة من 67.5 إلى 66.9 في المائة من الناتج الداخلي الخام. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطا بمدى تحقق الفرضيات الاقتصادية، وتطور أسعار الطاقة، وأداء الموسم الفلاحي، وقدرة الاقتصاد الوطني على توفير الموارد اللازمة لتمويل الالتزامات.
ومن هنا، فإن السؤال الذي فرض نفسه خلال النقاش هو ما إذا كانت التدابير المعلنة ستترجم إلى تحسن ملموس في دخل الأسر وخدمات الصحة والتعليم خلال السنوات القريبة، أم أن جزءا مهما من آثارها سيظل مؤجلا إلى نهاية الولاية الحكومية.
وبالنسبة إلى فوزي لقجع، فإن مرحلة المناقشة داخل اللجنة تضع المشروع أمام اختبار مزدوج: الدفاع عن توازناته المالية، وتقديم توضيحات دقيقة بشأن الكلفة الحقيقية للالتزامات الاجتماعية، والتمييز بين البرامج الجديدة وتلك المتواصلة، وتحديد آجال التنفيذ ومصادر التمويل. وهي عناصر ستكون حاسمة في تقييم قدرة قانون المالية المقبل على تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس في حياة المواطنين.






