محمد شوكي يطلق ورش إعادة هيكلة «الأحرار».. فتح باب الترشح بفاس مكناس ودرعة تافيلالت والطالبي العلمي يقود التحضير للمؤتمر الثامن

دخل حزب التجمع الوطني للأحرار مرحلة جديدة من إعادة ترتيب بيته الداخلي، بقيادة رئيسه محمد شوكي، الذي باشر تحركات تنظيمية متزامنة على مستوى جهتي فاس مكناس ودرعة تافيلالت، بالتوازي مع إطلاق التحضيرات للمؤتمر الوطني الثامن المقرر يومي 22 و23 يناير 2027، في سياق سياسي يفرض على الحزب مراجعة تجربته الانتخابية وإعادة بناء هياكله وتعزيز تماسكه استعدادا للمرحلة المقبلة.
وفي أحدث خطوة تنظيمية، أعلن الحزب، يوم الأربعاء 28 أكتوبر، فتح باب الترشح لشغل مهمة المنسق الجهوي بكل من فاس مكناس ودرعة تافيلالت، محددا الفترة الممتدة من 28 أكتوبر إلى 7 نونبر 2026، على الساعة الرابعة بعد الزوال، لاستقبال ملفات المترشحين لدى الإدارة المركزية بالرباط. واشترطت القيادة إرفاق طلبات الترشح بعقد نجاعة يقترحه كل مترشح، بما يفتح المجال أمام تقييم التصورات والبرامج التنظيمية المقترحة لتدبير العمل الحزبي على المستوى الجهوي.
وتحمل هذه الخطوة دلالات تنظيمية واضحة، بالنظر إلى أن محمد شوكي كان يشغل مهمة المنسق الجهوي بفاس مكناس قبل انتخابه رئيسا للحزب في فبراير الماضي، فيما تولى يونس الرفيق تدبير مهام التنسيق الجهوي بالنيابة خلال المرحلة السابقة. أما فتح باب الترشح في درعة تافيلالت، فيندرج بدوره ضمن إعادة ترتيب المسؤوليات التنظيمية على المستوى الجهوي.
شوكي يختار إعادة ترتيب الهياكل بدل الاكتفاء بتدبير المرحلة
من خلال هذه القرارات المتزامنة، تبدو قيادة محمد شوكي أمام ورش يتجاوز تعويض المسؤولين الشاغرين إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والجهات، وتجديد آليات التدبير الحزبي، وربط المسؤولية التنظيمية بأهداف قابلة للتقييم.
فاشتراط تقديم عقد للنجاعة يطرح مبدأ الانتقال من الاكتفاء بالتعيينات التنظيمية إلى مطالبة المرشحين بتقديم تصور واضح للعمل، يتضمن أولويات التنظيم والتأطير والتواصل واستعادة المبادرة السياسية. كما يتيح للقيادة المركزية مقارنة البرامج المقترحة، وفق معايير ينبغي أن تكون واضحة ومنسجمة مع النظامين الأساسي والداخلي للحزب.
وتكتسي جهة فاس مكناس أهمية خاصة في هذا المسار، بالنظر إلى التحديات التنظيمية التي واجهها الحزب خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وما رافقها من نقاش بشأن نتائج عدد من الدوائر، فضلا عن إشكالية إلغاء اللائحة الجهوية النسائية بقرار قضائي. وقد أفادت تقارير صحفية بأن أعضاء ومنتخبين بالجهة طالبوا بعقد اجتماع مع قيادة الحزب لتقييم النتائج ومناقشة الاختلالات التنظيمية.
وتجعل هذه المعطيات من اختيار منسق جهوي جديد محطة مهمة في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، خصوصا أن المسؤولية لن تقتصر على تدبير الهياكل، بل ستشمل معالجة آثار الاستحقاق السابق، وإعادة بناء الثقة بين مكونات التنظيم، وتقوية التواصل مع المنتخبين والمناضلين، واستعادة الفعالية الميدانية.
الطالبي العلمي على رأس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الثامن
وبالتوازي مع إعادة ترتيب التنسيقيات الجهوية، أعلن التجمع الوطني للأحرار تشكيل اللجنة التحضيرية لمؤتمره الوطني الثامن، وأسند رئاستها إلى رشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي، تنفيذا لقرار المكتب السياسي واستنادا إلى مقتضيات النظامين الأساسي والداخلي للحزب.
ومن المرتقب أن ينعقد المؤتمر يومي 22 و23 يناير 2027، في محطة تنظيمية تأتي بعد انتقال الحزب من قيادة الحكومة إلى صفوف المعارضة، وبعد الانتخابات التشريعية التي أفرزت تراجعا في عدد مقاعده مقارنة بانتخابات 2021.
وتتولى اللجنة التحضيرية الإشراف على مختلف الترتيبات المرتبطة بالمؤتمر، بتنسيق مع الهياكل والأجهزة الحزبية المختصة. ويمنح إسناد رئاستها إلى الطالبي العلمي هذه الشخصية القيادية مسؤولية تدبير مرحلة الإعداد لمحطة يفترض أن تتيح نقاشا داخليا بشأن التنظيم والاختيارات السياسية وآفاق العمل خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، لا ينبغي اختزال رئاسة اللجنة التحضيرية في كونها مجرد مهمة تقنية، كما لا يصح اعتبارها، من دون أدلة إضافية، مؤشرا على انسحاب محمد شوكي من قيادة الحزب. فالمعطيات الرسمية المتاحة تؤكد استمرار شوكي في ممارسة مهامه رئيسا للتجمع الوطني للأحرار، فيما يرتبط تكليف الطالبي العلمي بالإعداد للمؤتمر المقبل.
مرحلة البناء وإعادة الهيكلة.. رهان على استعادة التماسك
داخل الحزب، يضع أنصار استمرار شوكي على رأس القيادة المرحلة الحالية في إطار إعادة البناء والتجديد التنظيمي، معتبرين أن الأولوية ينبغي أن تتجه إلى تقوية الهياكل الجهوية والإقليمية، وتجديد النخب، وتوسيع مشاركة المناضلين في صياغة البرامج، وربط المسؤولية الحزبية بالمحاسبة على النتائج.
وتبرز في هذا التصور فكرة أن المرحلة لا تحتاج إلى الاكتفاء بتدبير التوازنات الداخلية، بل إلى عمل تنظيمي متواصل يستعيد المبادرة السياسية ويعيد ترتيب الأولويات، خصوصا بعد الانتقال إلى المعارضة وما يفرضه من مراجعة أساليب التواصل والاشتغال داخل المؤسسات وخارجها.
غير أن الحديث عن إجماع شامل حول قيادة شوكي يحتاج إلى معطيات موثقة من داخل مختلف مكونات الحزب، لا سيما في ظل وجود مطالب معلنة من بعض أعضاء التنظيم بجهة فاس مكناس لتقييم نتائج الانتخابات ومناقشة المسؤوليات عن الاختلالات التي رافقتها. ولا يلغي هذا التباين أهمية الورش التنظيمي الجاري، لكنه يؤكد أن إعادة البناء ستتطلب معالجة الانتقادات الداخلية إلى جانب اتخاذ القرارات التنظيمية.
من تدبير الخسارة الانتخابية إلى إعادة بناء المشروع الحزبي
لا تنفصل التحركات الجديدة عن السياق السياسي الذي أعقب الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر 2026، والتي انتقل بعدها التجمع الوطني للأحرار من قيادة الحكومة إلى المعارضة. وقد فرض هذا التحول على الحزب إعادة تحديد موقعه السياسي، وتجديد أدواته التنظيمية، والاستعداد للمؤتمر المقبل باعتباره محطة لتقييم التجربة ورسم توجهات المرحلة التالية.
ويتمثل التحدي المطروح أمام محمد شوكي في تحويل القرارات التنظيمية إلى نتائج ملموسة: تنسيقيات جهوية أكثر فعالية، وتأطير مستمر للمناضلين، وتواصل أكثر انتظاما مع المنتخبين، وقدرة على تدبير الاختلافات الداخلية في إطار المؤسسات الحزبية.
كما سيشكل اختيار المنسقين الجهويين بفاس مكناس ودرعة تافيلالت اختبارا عمليا لمبدأ النجاعة الذي أعلنه الحزب، بالنظر إلى ما ستكشف عنه البرامج المقدمة من قدرة على تشخيص الأعطاب، وتحديد الأولويات، واقتراح حلول تنظيمية قابلة للتنفيذ.
وبين فتح باب الترشح للمنسقين الجهويين، وإسناد رئاسة اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الثامن إلى رشيد الطالبي العلمي، تتضح ملامح مرحلة تنظيمية جديدة داخل التجمع الوطني للأحرار. وستظل نتائج هذا المسار مرتبطة بمدى قدرة القيادة على الجمع بين تجديد الهياكل، والاستماع إلى الأصوات المنتقدة، واستعادة التماسك الداخلي، وصياغة تصور سياسي واضح للعمل في المعارضة.
فالرهان الحقيقي أمام الحزب لا يكمن في تغيير الأسماء والمواقع وحده، بل في بناء تنظيم قادر على استخلاص الدروس من التجربة الانتخابية، وتجديد أدوات اشتغاله، وتحويل المؤتمر المقبل إلى محطة لتقييم المسؤوليات وتحديد الأولويات، بما يجعل مرحلة إعادة الهيكلة مدخلا فعليا إلى استعادة الفعالية السياسية والتنظيمية.






