سياسة

الحسين حيدة يغادر الوكالة الحضرية لفاس نحو الصخيرات–تمارة.. تعيين جديد يفتح صفحة المساءلة عن سنوات من الجمود وانتقادات المنعشين العقاريين

صادق مجلس الحكومة، المنعقد يوم الخميس 5 نونبر 2026، على تعيين الحسين حيدة مديرا للوكالة الحضرية للصخيرات–تمارة، التابعة لوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، في إطار التعيينات الجديدة في المناصب العليا، طبقا لمقتضيات الفصل 92 من الدستور. ويأتي هذا التعيين بعد مغادرته الوكالة الحضرية لفاس، التي ارتبط اسمه بتدبيرها لسنوات طويلة، كانت خلالها المؤسسة محط انتقادات متكررة من طرف عدد من الفاعلين الاقتصاديين والمهنيين والمنعشين العقاريين، بسبب ما اعتبروه بطئا في معالجة الملفات وتعقيدا للمساطر وضعفا في مواكبة الاستثمار العمراني.

ويعيد انتقال حيدة إلى مسؤولية جديدة بإقليم الصخيرات–تمارة فتح النقاش حول حصيلة سنوات تدبير الوكالة الحضرية بفاس، وحول ما إذا كانت التغييرات الإدارية التي عرفتها المؤسسة كافية لطي صفحة من الاختلالات التدبيرية التي ظلت موضوع تذمر في أوساط المهنيين، خصوصا أن فاس كانت في حاجة إلى إدارة حضرية أكثر انفتاحا وفعالية، قادرة على مواكبة التحولات العمرانية والاستثمارية التي تعرفها المدينة ومحيطها.

ولم يكن اسم المسؤول السابق بعيدا عن النقاش العمومي بفاس، إذ سبق لجريدة فاس24 أن خصصت أكثر من مادة صحفية لتسليط الضوء على وضعية الوكالة الحضرية، وما راكمته من انتقادات بشأن طريقة تدبير الملفات العمرانية وعلاقتها بالمنعشين العقاريين.

ففي 10 نونبر 2024، تناولت فاس24 احتجاجات وتذمر عدد من المنعشين العقاريين، الذين وصل بهم الأمر إلى التلويح بتنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بضخ دماء جديدة على رأس المؤسسة، بعدما اعتبروا أن عددا من مشاريعهم اصطدم بتعقيدات إدارية وتأخر في معالجة الملفات، فضلا عن استمرار إشكالية طلبات تسوية وضعية بعض البنايات المخالفة، رغم إطلاق الوزارة الوصية برامج في هذا الاتجاه.

كما كشفت تلك الانتقادات عن وجود أزمة ثقة بين جزء من الفاعلين العقاريين وإدارة الوكالة، في وقت كانت فيه المدينة في أمس الحاجة إلى تحريك عجلة الاستثمار، وتوفير شروط إدارية ملائمة لتشجيع المقاولات العقارية على إطلاق مشاريع جديدة، بدل دفع بعض المستثمرين إلى البحث عن فرص في مدن وجهات أخرى.

ولم يتوقف النقاش عند هذا الحد، إذ عادت فاس24 في 3 شتنبر 2025 إلى مساءلة استمرار المسؤولين الذين عمروا طويلا في مواقعهم، معتبرة أن بقاء إدارة الوكالة الحضرية بفاس دون تغيير، رغم الانتقادات المتراكمة، يطرح علامات استفهام حول فعالية التداول على المسؤوليات وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي 15 شتنبر من السنة نفسها، تناولت الجريدة ملف جمود تصاميم التهيئة وتداخل الاختصاصات بين الوكالات الحضرية والمجالس الجماعية وأقسام التعمير، وما يترتب عن ذلك من انعكاسات على الاستثمار والتخطيط العمراني.

أما في 10 يوليوز 2026، فقد تناولت فاس24 التغيير على رأس الوكالة الحضرية لفاس، في سياق إعادة ترتيب المسؤوليات داخل منظومة الوكالات الحضرية، واعتبرت أن المرحلة الجديدة تفرض إعادة تقييم أداء المؤسسة واستعادة ثقة الفاعلين الاقتصاديين والمهنيين.

وتكشف هذه المحطات الصحفية أن الإشكال الذي طبع النقاش حول الوكالة الحضرية بفاس لم يكن مجرد اختلاف عابر في وجهات النظر، بل ارتبط بمطالب متكررة بتحسين الحكامة الإدارية، وتسريع معالجة الملفات، وتبسيط المساطر، وتجاوز حالة الانتظارية التي اشتكى منها عدد من المستثمرين.

والأكثر إثارة للنقاش أن فاس، بما تتوفر عليه من مؤهلات عقارية وعمرانية وبما تنتظره من مشاريع تنموية كبرى، كانت تحتاج إلى وكالة حضرية تلعب دور المحرك للاستثمار، وليس مجرد مؤسسة إدارية تنحصر وظيفتها في دراسة الملفات والتأشير على الوثائق. فالوكالة الحضرية يفترض أن تكون شريكا أساسيا للجماعات الترابية والقطاع الخاص، وأن تساهم في إخراج تصاميم التهيئة، وتأطير التوسع العمراني، وتوفير رؤية واضحة للمستثمرين، بما يضمن التوازن بين التنمية واحترام الضوابط القانونية.

ومن هذا المنطلق، فإن مغادرة حيدة للوكالة الحضرية بفاس لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش حول حصيلة المؤسسة، بل مناسبة لطرح أسئلة جوهرية حول السنوات التي قضاها على رأسها، ومدى تجاوب الإدارة مع انتظارات الفاعلين، وحجم الملفات التي ظلت عالقة، وأسباب تعثر عدد من الأوراش المرتبطة بالتخطيط والتعمير.

كما أن انتقاله إلى الصخيرات–تمارة يضع أمامه مسؤولية جديدة، في مجال ترابي يعرف بدوره ضغطا عمرانيا واستثماريا متزايدا، ويحتاج إلى تدبير يستحضر سرعة التحولات المجالية ومتطلبات الحكامة والشفافية والنجاعة الإدارية.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال أزمة التعمير بفاس في شخص المدير السابق وحده، بالنظر إلى تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات بين الوكالة الحضرية والجماعات الترابية والسلطات المحلية وباقي المؤسسات المعنية، غير أن ذلك لا يعفي المسؤولين عن تدبير المؤسسات العمومية من تقديم حصيلة واضحة وتفسير مكامن التعثر، خصوصا عندما تتكرر شكاوى المهنيين والمستثمرين.

وتتجه الأنظار اليوم إلى المرحلة الجديدة التي تنتظر الوكالة الحضرية بفاس، وإلى مدى قدرة الإدارة المقبلة على القطع مع مظاهر البطء والانتظارية، وإعادة بناء جسور الثقة مع المنعشين العقاريين، والعمل على إخراج تصاميم التهيئة والوثائق العمرانية المتعثرة، بما ينسجم مع طموحات المدينة والجهة في استقطاب الاستثمارات وخلق فرص الشغل.

ففاس لم تعد تحتمل استمرار منطق التدبير الإداري التقليدي، ولا يمكن أن تبقى مشاريع الاستثمار رهينة المساطر المعقدة وطول آجال الانتظار. وما تحتاجه اليوم هو إدارة حضرية بمواصفات جديدة، تقيس نجاحها بحجم المشاريع التي تواكبها، والملفات التي تعالجها، والوثائق التي تخرجها إلى حيز التنفيذ، ومدى مساهمتها في تحريك الاقتصاد المحلي.

إن تعيين الحسين حيدة بالصخيرات–تمارة يفتح فصلا إداريا جديدا في مساره، لكنه يترك وراءه في فاس أسئلة مؤجلة حول حصيلة سنوات من تدبير الوكالة الحضرية. وهي أسئلة لا ينبغي أن تطويها التعيينات والتنقيلات، لأن رهان التنمية العمرانية لا يرتبط بتغيير الأسماء فقط، بل بمدى القدرة على تصحيح الاختلالات، وتكريس ربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع مصلحة المدينة والاستثمار فوق كل اعتبار.**

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى