سياسة

الجمعية العامة تحدد موعد مناقشة فيتو الصحراء في 10 نونبر.. المينورسو تدخل مرحلة التفكيك والمغرب يفتح صفحة جديدة في مسار تثبيت وحدته الترابية

في تطور أممي جديد يعيد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة الأحداث الدولية، أعلن رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، خليل الرحمن، في رسالة رسمية مؤرخة في 2 نونبر 2026، عن عقد جلسة عامة للجمعية العامة يوم الثلاثاء 10 نونبر، على الساعة العاشرة صباحاً، بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، لمناقشة استعمال حق النقض داخل مجلس الأمن بشأن قضية الصحراء.

وتأتي هذه الخطوة استناداً إلى القرار الأممي رقم 76/262، المعروف بآلية مناقشة الفيتو، التي تتيح للجمعية العامة عقد اجتماع خلال عشرة أيام عمل من استخدام أحد الأعضاء الدائمين حق النقض، من أجل مناقشة الظروف التي أحاطت به وتداعياته. وبذلك سيكون الملف المغربي أمام محطة أممية جديدة، ليس من أجل التصويت مجدداً على مشروع قرار بشأن الصحراء، وإنما لمناقشة استعمال حق النقض الذي عرقل اعتماد مشروع القرار الأمريكي خلال اجتماع مجلس الأمن المنعقد يوم 30 أكتوبر الماضي.

وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها تأتي مباشرة بعد المواجهة الدبلوماسية التي شهدها مجلس الأمن، حين استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بمستقبل بعثة المينورسو، رغم حصوله على تأييد 11 عضواً من أصل 15، مقابل معارضة روسية وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت. وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي المضاد، الذي اقترح تمديد ولاية البعثة سنة إضافية، من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، بعدما حصد ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، وصوتاً معارضاً، وامتناع 11 عضواً.

وهكذا انتهت ولاية بعثة المينورسو عند منتصف ليل 31 أكتوبر 2026، دون صدور قرار جديد يمدد مهمتها، لتدخل المنطقة مرحلة غير مسبوقة منذ إحداث البعثة سنة 1991، بعدما ظل وجودها مرتبطاً بإطار أممي لم يتمكن، على امتداد 35 سنة، من تنفيذ الغاية الأصلية المتمثلة في تنظيم الاستفتاء الذي أُنشئت من أجله.

المينورسو تدخل مرحلة التفكيك والانسحاب

ومن أبرز المستجدات التي أعقبت هذا التطور شروع الأمم المتحدة في ترتيبات إنهاء عمليات المينورسو، حيث أعلن الأمين العام أنطونيو غوتيريش بدء مرحلة تصفية عمليات البعثة، من خلال فريق أصغر تابع لإدارة الدعم العملياتي، سيتولى الإشراف على المعدات والأصول الأممية وتنظيم عملية الانسحاب.

وكانت البعثة تتوفر على مقر رئيسي بمدينة العيون، وتسعة مواقع ميدانية، أربعة منها غرب الجدار الدفاعي وخمسة شرقه، إضافة إلى مكتب ارتباط بتندوف، ويبلغ عدد أفرادها نحو 200 موظف مدني ومراقب عسكري وضابط من أكثر من 35 دولة، فضلاً عن قدرات مرتبطة بإزالة الألغام.

وتشير المعطيات التي أعلنتها الأمم المتحدة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة المعدات والأصول الأممية، وتقليص الحضور البشري وإغلاق المنشآت المرتبطة بالبعثة، في إطار عملية منظمة لإنهاء وجودها العملياتي. وبذلك تكون المينورسو قد دخلت فعلياً مرحلة التفكيك والاستعداد للرحيل، بعد أن انتهت ولايتها ولم يعد هناك قرار صادر عن مجلس الأمن يسمح باستمرار مهمتها بالشكل السابق.

غير أن الدقة تقتضي التمييز بين انتهاء المهمة الميدانية للمينورسو وبين انتهاء دور الأمم المتحدة في المساعي السياسية؛ فالأمين العام أكد أن المنظمة ستواصل دعم الحل السياسي عبر مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا، وهو ما يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد تغييراً في طبيعة الحضور الأممي، وليس اختفاء الملف من كل المسارات الدبلوماسية الدولية بصورة تلقائية.

بلاغ الديوان الملكي.. تحول في مقاربة القضية الوطنية

وفي خضم هذه التحولات، جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر ليحدد الموقف المغربي من المرحلة الجديدة، معتبراً أن عدم تجديد ولاية المينورسو يشكل تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة في اتجاه الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة.

وقد ربط البلاغ هذا التطور بالذكرى الأولى لعيد الوحدة، الذي أقره الملك محمد السادس، باعتباره مناسبة ترمز إلى الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق التحول العميق في محددات القضية الوطنية، في ظل الدينامية الدبلوماسية التي أطلقها جلالة الملك خلال السنوات الماضية.

وأكد الديوان الملكي أن عدم تجديد ولاية البعثة يعني أن وجودها في الأقاليم الجنوبية، بأفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن يتوقف خلال الأيام المقبلة، معتبراً أن صفحة امتدت 35 سنة قد طويت، وأن المرحلة تقتضي مراجعة الإطار الذي ظل الملف يدار من خلاله داخل مجلس الأمن.

كما شدد البلاغ على أن المغرب يظل متمسكاً بوقف إطلاق النار، وبصون وحدته الترابية وأمنه الوطني واستقرار مواطنيه، في موقف يجمع بين الثبات على الحقوق الوطنية والالتزام بالمسار السياسي، دون التفريط في الثوابت المرتبطة بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.

ومن الرسائل الأساسية التي حملها البلاغ الملكي تأكيده أن الدينامية الدولية التي يقودها الملك محمد السادس راكمت دعماً مهماً، إذ أشار إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، يدعمون بوضوح مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الإطار الوحيد للحل.

وهذا المعطى يعكس اتساع دائرة التأييد الدولي للمقترح المغربي، ويؤكد أن الدبلوماسية الملكية نجحت في نقل القضية الوطنية إلى مرحلة أصبح فيها الحكم الذاتي حاضراً بقوة في النقاشات الدولية باعتباره أرضية واقعية للتفاوض والتسوية السياسية.

مجلس الأمن.. دعم واسع للمشروع الأمريكي رغم الفيتو الروسي

وتكشف نتائج التصويت داخل مجلس الأمن عن معطى سياسي لا يمكن تجاهله، إذ حصل المشروع الأمريكي على تأييد 11 عضواً، وهو عدد يعكس وجود دعم واسع داخل الهيئة الأممية للتوجه الذي حمله المشروع، خصوصاً ما يتعلق بإعادة هيكلة مهمة المينورسو وجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمسار السياسي.

لكن استعمال روسيا حق النقض حال دون اعتماد المشروع، وهو ما يبرز استمرار الخلاف بين القوى الكبرى بشأن طريقة تدبير الملف، كما يؤكد أن الفيتو لا يعكس بالضرورة موقف غالبية أعضاء المجلس، وإنما يمثل الأداة التي يتيحها ميثاق الأمم المتحدة للأعضاء الدائمين لعرقلة اعتماد القرارات.

وفي المقابل، فإن المشروع الروسي الذي دعا إلى تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية لم يحصل إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، وهو ما يكشف محدودية التأييد الذي حظي به خيار الإبقاء على الصيغة السابقة للبعثة. وقد شكل هذا الفشل، إلى جانب الفيتو الروسي، نقطة تحول وضعت مستقبل المينورسو أمام واقع جديد لم تعرفه منذ تأسيسها.

10 نونبر.. الجمعية العامة أمام نقاش جديد حول الفيتو

أما الجلسة التي دعا إليها رئيس الجمعية العامة يوم 10 نونبر، فستمنح الدول الأعضاء فرصة للتعبير عن مواقفها من استخدام حق النقض خلال التصويت المتعلق بالصحراء، ومناقشة تداعيات تعطيل مشروع القرار الأمريكي.

ومن المهم التأكيد أن هذه الجلسة لا تعني إعادة التصويت على مشروع القرار، ولا تشكل بحد ذاتها قراراً جديداً بشأن الوضع القانوني أو السياسي للصحراء، وإنما تدخل في إطار المساءلة والنقاش الأممي حول استعمال الفيتو. كما أنها لا تلغي حقيقة انتهاء ولاية المينورسو، ولا تعيد تلقائياً إحياء مهمتها التي انتهت وفق الموعد المحدد.

وفي المقابل، ستكون هذه المحطة مناسبة لقياس مواقف الدول من التطورات الأخيرة، ومدى استعدادها لمواكبة مرحلة جديدة من المسار السياسي، في ظل التحولات التي عرفها مجلس الأمن واتساع التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.

إن المغرب يدخل هذه المرحلة مستنداً إلى موقف ملكي واضح، وإلى تحرك دبلوماسي راكم دعماً دولياً متزايداً، وإلى تمسك ثابت بالوحدة الترابية والسيادة الوطنية. كما أن انتهاء ولاية المينورسو وبدء تصفية عملياتها يضعان حداً لمرحلة طويلة من تدبير النزاع بالآليات السابقة، ويفتحان النقاش حول طبيعة الإطار الذي ينبغي أن يؤطر المرحلة المقبلة.

لقد ظل المغرب يؤكد أن الحل لا يمكن أن يستمر رهيناً بآليات تجاوزها الزمن، وأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الإطار السياسي الواقعي الذي يتيح تسوية النزاع في ظل السيادة المغربية. واليوم، ومع التحولات التي أعقبت اجتماع مجلس الأمن، تتجه الأنظار إلى كيفية ترجمة الدعم الدولي إلى مسار سياسي واضح، وإلى مدى قدرة الأمم المتحدة على مواكبة هذه المرحلة الجديدة.

إن قوة الموقف المغربي لا تختزل في تصويت أو جلسة أممية، بل تستند إلى ثبات الموقف الوطني، وإلى الدبلوماسية الملكية، وإلى الدعم الذي راكمته المملكة عبر علاقاتها الثنائية والإقليمية والدولية. وبينما تستعد المينورسو لإنهاء حضورها العملياتي، يواصل المغرب الدفاع عن وحدته الترابية من موقع دولة متمسكة بحقوقها، ومنفتحة على حل سياسي يحفظ السيادة والاستقرار.

المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى