سياسة

صفرو.. خسارة إدريس الشطيبي للمقعد البرلماني تفجّر أزمة داخل الاتحاد الاشتراكي وتفتح مواجهة سياسية مع السلطات

لم تقف تداعيات الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الماضي بإقليم صفرو عند حدود خسارة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لأحد مقاعده البرلمانية، بل امتدت إلى عمق بيته التنظيمي، بعدما تحولت مرحلة تقييم النتائج إلى محطة للمواجهة وتبادل الاتهامات، انتهت بإعلان طرد الكاتب الإقليمي للحزب، بالتزامن مع توجيه اتهامات سياسية ثقيلة إلى السلطات الإقليمية بشأن ظروف إجراء الاستحقاقات الانتخابية.

وتكشف التطورات الأخيرة عن أزمة مركبة داخل حزب الوردة بصفرو؛ فمن جهة، يجد الحزب نفسه أمام تراجع انتخابي لافت أنهى الحضور البرلماني لإدريس الشطيبي، أحد أبرز وجوهه بالإقليم، ومن جهة ثانية، يواجه انقساماً تنظيمياً حول المسؤوليات عن هذه النتيجة، وطبيعة تدبير المرحلة الانتخابية، وحدود الاختلاف بين القيادة الإقليمية ومكونات الكتابة المحلية.

فالشطيبي، الذي راكم تجربة برلمانية امتدت لولايتين تشريعيتين متتاليتين، لم يتمكن هذه المرة من الحفاظ على مقعده، بعدما حل في المرتبة الخامسة بحصيلة بلغت 4843 صوتاً، في نتيجة شكلت تراجعاً واضحاً مقارنة باستحقاقات 2021، حين تصدر نتائج الدائرة وحصل على 19006 أصوات، كما سبق له الفوز بمقعد خلال انتخابات 2016. وبذلك لم تكن الخسارة مجرد فقدان مقعد نيابي، بل ضربة لواحد من الأسماء التي ارتبط حضور الاتحاد الاشتراكي بها في دائرة صفرو خلال السنوات الماضية.

وتكتسي هذه الخسارة دلالة سياسية وتنظيمية بالنظر إلى المسار الذي بصم به الشطيبي حضوره داخل المؤسسة التشريعية؛ فقد شغل خلال الولاية المنتهية مهمة النائب الثالث لرئيس مجلس النواب، وكان عضواً بمكتب المجلس، فضلاً عن عضويته بالمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي. كما اضطلع بأدوار تنظيمية على مستوى جهة فاس مكناس، من بينها تنسيق فريق العمل الحزبي بالجهة، وهو ما جعل تراجعه في صفرو حدثاً يتجاوز الحسابات الانتخابية المحلية إلى مساءلة قدرة الحزب على الحفاظ على قواعده وامتداده السياسي.
مجلس النواب،

وفي المقابل، أظهرت النتائج أن المنافسة بدائرة صفرو شهدت صعود أسماء جديدة وتراجعاً في موقع الاتحاد الاشتراكي، بعدما تصدر مصطفى لخصم، مرشح الحركة الديمقراطية الاجتماعية، النتائج بحصوله على 19608 أصوات، متبوعاً بإدريس الشبشالي عن الأصالة والمعاصرة، ثم يوسف منضور عن التجمع الوطني للأحرار، فيما حل محمد يوستة عن الحركة الشعبية رابعاً، وجاء الشطيبي خامساً بـ4843 صوتاً. ويعني ذلك أن المرشح الاتحادي فقد جزءاً كبيراً من رصيده الانتخابي مقارنة بانتخابات 2021، في وقت تمكن فيه منافسون من انتزاع المقاعد الثلاثة المخصصة للدائرة.
طرد الكاتب الإقليمي.. الخلاف ينتقل إلى داخل البيت الاتحادي

وبعد أسابيع من إعلان النتائج، انتقل النقاش داخل الاتحاد الاشتراكي بصفرو من تقييم الحصيلة الانتخابية إلى تدبير الخلافات التنظيمية، حيث انعقد اجتماع يوم السبت 31 أكتوبر 2026، بمقر الحزب، بحضور إدريس الشطيبي، عضو المكتب السياسي، وانتهى بإعلان الكتابة الإقليمية طرد الكاتب الإقليمي عبد العالي دمري من صفوف الحزب، وفق ما ورد في البلاغ المنسوب إلى الهيئة الإقليمية.

وبررت الكتابة الإقليمية هذا القرار بما وصفته بإخلالات في أداء المسؤول الحزبي، من بينها عدم الانخراط في الحملة الانتخابية لفائدة مرشح الحزب، وعدم تحمل المسؤولية السياسية والتنظيمية خلال الاستحقاقات، فضلاً عن اتهامه باتخاذ مواقف وبلاغات باسم الكتابة الإقليمية بصورة انفرادية، وتجميد عمل أجهزتها منذ المؤتمر الإقليمي، وتوزيع المهام دون الرجوع إلى المؤسسات التنظيمية المعنية.

ولم يقف القرار عند حدود الطرد، بل تضمن أيضاً الدعوة إلى عقد مجلس إقليمي تنظيمي في أقرب الآجال لانتخاب كاتب إقليمي جديد، وإعادة هيكلة الأجهزة الحزبية بما يضمن، بحسب تعبير أصحاب البلاغ، احترام الاختصاصات والصلاحيات واستعادة دينامية التنظيم بالإقليم. كما أعلنت الكتابة الإقليمية رفض استقالة رئيس المجلس الإقليمي من مسؤوليته، في إشارة إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بشخص واحد، بل امتدت إلى طريقة تدبير الهياكل والعلاقات بين مكوناتها.

وتزداد هذه التطورات حساسية بالنظر إلى أن عبد العالي دمري كان قد انتخب كاتباً إقليمياً للحزب خلال المؤتمر الإقليمي المنعقد سنة 2025، في سياق تجديد الأجهزة المحلية والإقليمية. وبالتالي، فإن إبعاده بعد فترة قصيرة نسبياً من انتخابه يطرح أسئلة حول طبيعة الاختلافات التي انفجرت داخل التنظيم، ومدى قدرة القيادة الحزبية على احتواء الخلافات دون تحويلها إلى صراع مفتوح حول الشرعية والمسؤولية.
اتهامات للسلطات.. وملف انتخابي يحتاج إلى توضيحات

وبموازاة الصراع التنظيمي، حمل البلاغ الصادر عقب اجتماع السبت اتهامات مباشرة إلى السلطات الإقليمية، إذ تحدث عن تدخلات قال إنها أثرت على اختيارات الناخبين لفائدة بعض المرشحين، وعن توظيف المال غير المشروع لاستمالة الأصوات، فضلاً عن استغلال آليات ومعدات وإمكانيات الجماعات الترابية في المنافسة الانتخابية.

وهي اتهامات خطيرة، بالنظر إلى طبيعة المؤسسات المعنية وحساسية الاستحقاقات التشريعية، غير أنها تظل مواقف وادعاءات صادرة عن جهة حزبية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة دون أدلة ومعطيات موثقة أو نتائج تحقيقات من الجهات المختصة. كما أن البلاغ، وفق ما نشرته وسائل إعلام، لم يسم المرشحين الذين يتحدث عن استفادتهم من هذه الممارسات، ولم يقدم تفاصيل دقيقة بشأن الوقائع أو التوقيت أو الجهات التي يوجه إليها الاتهام.

وتبرز هنا نقطة تستحق الانتباه؛ إذ سبق لعبد العالي دمري أن نفى، في تصريح إعلامي سابق، أن تكون الكتابة الإقليمية قد اتخذت موقفاً يتهم عامل إقليم صفرو بالتدخل في الانتخابات أو بإفساد العملية الانتخابية، مؤكداً آنذاك احترام الحزب للنتائج وتهنئته للفائزين. ويكشف هذا التباين بين التصريح السابق ومضمون البلاغ اللاحق عن خلاف واضح حول الموقف الذي ينبغي أن يتبناه الحزب إزاء نتائج اقتراع 23 شتنبر، وهو خلاف يزداد تعقيداً بعد إعلان طرد المسؤول الإقليمي الذي صدر عنه النفي.
جريدة صفرو بريس+1

هل يعيد الشطيبي ترتيب أوراق الاتحاد بصفرو؟

في المحصلة، يجد إدريس الشطيبي نفسه أمام مرحلة سياسية مختلفة؛ فبعد فقدان المقعد البرلماني الذي احتفظ به خلال ولايتين متتاليتين، يعود إلى واجهة التدبير التنظيمي في الإقليم من موقعه داخل المكتب السياسي، وسط أزمة داخلية تتطلب أكثر من قرارات الطرد وإعادة توزيع المسؤوليات. فالرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بتغيير الكاتب الإقليمي أو إعادة تشكيل الأجهزة، وإنما بتشخيص أسباب التراجع الانتخابي، واستعادة الثقة داخل القواعد، وإعادة بناء علاقة الحزب بالناخبين، خصوصاً في المناطق القروية والجماعات التي تشكل جزءاً أساسياً من الخريطة الانتخابية لصفرو.

كما أن تحميل المسؤولية التنظيمية لشخص واحد لا يكفي وحده لتفسير خسارة مرشح راكم تجربة برلمانية طويلة، بعدما انتقل رصيده من 19006 أصوات سنة 2021 إلى 4843 صوتاً في اقتراع شتنبر 2026. فهذه الأرقام تفرض نقاشاً أعمق حول الحضور الميداني، والقدرة على التواصل مع المواطنين، وفعالية العمل الحزبي، ومدى تجدد الخطاب والوجوه والآليات التي يعتمدها الاتحاد الاشتراكي في الإقليم.

وبين اتهامات انتخابية لم تقدم بشأنها، إلى حدود المعطيات المنشورة، أدلة حاسمة، وقرار طرد أثار أسئلة حول وحدة التنظيم، يبقى مستقبل الاتحاد الاشتراكي بصفرو مفتوحاً على مرحلة إعادة ترتيب شاملة. أما الاختبار الأصعب أمام الشطيبي ورفاقه، فلن يكون في تدبير الخلاف الداخلي فقط، بل في إثبات قدرة الحزب على استعادة موقعه السياسي، وتحويل هزيمة 23 شتنبر إلى مراجعة حقيقية للأداء، بدل الاكتفاء بتبادل المسؤوليات والاتهامات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى