نهر سبو تحت المجهر.. الشركة الجهوية متعددة الخدمات تدخل على خط حماية الموارد المائية من مخلفات معاصر الزيتون ومطالب بتفعيل المراقبة والاستثمار

عاد ملف التلوث البيئي الناتج عن مخلفات وحدات عصر الزيتون بإقليم مولاي يعقوب إلى واجهة الاهتمام، مع اقتراب موسم جني الزيتون وارتفاع نشاط المعاصر، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاسات التصريف العشوائي للمخلفات السائلة على الأودية والمجاري المائية، وعلى رأسها حوض سبو الذي يشكل أحد أهم الموارد المائية الاستراتيجية بالمملكة.
وفي هذا السياق، احتضن مقر دائرة الإقليم اجتماعاً تنسيقياً بحضور باشا باشوية سبع رواضي وقائد القيادة وممثلي المصالح والقطاعات المعنية، تنفيذاً لتعليمات عامل الإقليم، وذلك بهدف وضع تدابير استباقية وتوحيد جهود المتدخلين لمنع وصول مخلفات المعاصر إلى الشعاب والأودية، وتعزيز المراقبة الميدانية لوحدات العصر ومدى احترامها للضوابط البيئية.
ويبرز ضمن هذا التحرك حضور الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس، التي يرتقب أن تساهم بإمكانياتها ومعطياتها التقنية في تحديد مصادر التلوث ورصد الاختلالات المرتبطة بتدبير المياه العادمة، بما يجعل تدخلها جزءاً أساسياً من مقاربة تتجاوز المعالجة الظرفية إلى حماية الموارد المائية والحد من الضغط الذي تتعرض له المنظومة البيئية بحوض سبو.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمخلفات موسم فلاحي، وإنما بتحدي بيئي يتطلب تنسيقاً مستمراً بين السلطات الترابية والمؤسسات التقنية وأصحاب المعاصر، خصوصاً أن مادة المرج الناتجة عن عصر الزيتون تحتوي على مكونات عضوية يمكن أن ترفع الحمل الملوث للمياه بشكل كبير إذا جرى تصريفها دون معالجة مناسبة.
سبع محطات لتجميع المرج.. تدخل ميداني يتجاوز المراقبة
وتكشف المعطيات المرتبطة بالبرنامج البيئي الذي أطلقته الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس لموسم 2026-2027 عن وجود منظومة عملية لمواجهة مخلفات معاصر الزيتون، تقوم على تشغيل سبع محطات مخصصة لتجميع ومعالجة مادة المرج، موزعة على عدد من المناطق التي تعرف نشاطاً مكثفاً في إنتاج الزيتون.
وتشمل هذه المنشآت محطة عين البيضاء بعمالة فاس، ومحطتي أولاد جامع وأولاد ميمون بإقليم مولاي يعقوب، ومحطتي صفرو والمنزل بإقليم صفرو، إضافة إلى محطتي قرية با محمد وتيسة بإقليم تاونات.
وتغطي هذه المحطات مساحة تقارب 100 هكتار، بطاقة استيعابية إجمالية معلنة تصل إلى 522 ألفاً و450 متراً مكعباً. كما عبأت الشركة شاحنات صهريجية وموارد بشرية ولوجيستيكية لجمع مخلفات المعاصر ونقلها إلى المنشآت المخصصة لمعالجتها، مع توفير خدمة التجميع مجاناً لفائدة أرباب المعاصر، بما يشجعهم على التخلص السليم من المرج عوض البحث عن مسارات غير قانونية لتصريفه.
ويكتسي وجود محطتين بإقليم مولاي يعقوب أهمية خاصة، بالنظر إلى قرب عدد من الوحدات الفلاحية من المجاري المائية والشعاب التي تصب في المنظومة المائية لحوض سبو. وهو ما يجعل نجاح هذا البرنامج مرتبطاً بمدى انتظام عمليات التجميع، وقدرة المحطات على استيعاب الكميات المنتجة خلال ذروة الموسم، إلى جانب المراقبة المستمرة للمعاصر.
استثمارات كبرى في التطهير السائل.. ورش يتجاوز معالجة المرج
ولا تنفصل هذه التعبئة عن الاستثمارات التي تقودها الشركة الجهوية متعددة الخدمات في مجال التطهير السائل، حيث خصصت غلافاً مالياً يناهز 22.84 مليون درهم لإعداد مخطط توجيهي جديد يشمل فاس ومكناس ومولاي يعقوب وصفرو وتاونات وبولمان وإفران والحاجب، ويروم تشخيص وضعية شبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار وتحديد حاجياتها المستقبلية.
ويمتد هذا المخطط إلى أفق 2045، مع برمجة تدخلات استعجالية خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2028، ومشاريع قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، إلى جانب دراسة إمكانية إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وضبط التصريفات الناتجة عن الأنشطة الصناعية والحرفية، وتحديد مصادر التلوث وشروط استقبال المياه داخل الشبكات العمومية.
كما تبرز تجربة مكناس ضمن هذا التوجه، من خلال مشروع يتجاوز غلافه المالي 211 مليون درهم لتحديث منشآت التطهير السائل، وإعادة تأهيل أحواض المعالجة بطاقة تصل إلى 48 ألف متر مكعب يومياً، وإحداث وحدة جديدة للمعالجة بتقنية الحمأة المنشطة بطاقة 5 آلاف متر مكعب يومياً.
ويستهدف المشروع أيضاً المعالجة الثلاثية للمياه وإعادة استعمالها في سقي المساحات الخضراء والحدائق، مع اعتماد المراقبة التقنية المستمرة لجودة المياه، وتثمين الحمأة الناتجة عن عمليات المعالجة. وهي استثمارات تعكس انتقال تدبير التطهير السائل نحو مقاربة تجمع بين حماية البيئة والاقتصاد في الموارد المائية وإعادة الاستعمال.
الرهان الحقيقي.. من الاجتماعات إلى المراقبة والمحاسبة
ورغم أهمية هذه البرامج، فإن حماية سبو تظل رهينة بمدى التنسيق بين الشركة الجهوية متعددة الخدمات والسلطات المحلية ووكالة الحوض المائي لسبو والمصالح البيئية والفلاحية، فضلاً عن مسؤولية أصحاب المعاصر في احترام المعايير القانونية.
ويتعين أن تتحول الاجتماعات التنسيقية إلى عمليات مراقبة ميدانية منتظمة، تشمل التحقق من توفر المعاصر على وسائل تجميع المخلفات، وتتبع الكميات المنتجة والمنقولة، ومراقبة عمليات التصريف، والتعامل بحزم مع أي مخالفة بيئية يثبت ارتكابها.
كما تبرز أهمية نشر معطيات دورية حول حجم المرج الذي جرى جمعه ومعالجته، ونسبة استغلال المحطات السبع، ومدى كفاية طاقتها الاستيعابية، حتى تكون النتائج قابلة للتقييم والمحاسبة.
إن ما يجري بإقليم مولاي يعقوب يضع حماية حوض سبو أمام اختبار جديد، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس أصبحت طرفاً أساسياً في تدبير أحد أكبر التحديات البيئية بالجهة، من خلال منشآت التجميع والمعالجة والاستثمارات الموجهة لتحديث التطهير السائل.
فالرهان ليس فقط إنجاح موسم عصر الزيتون، وإنما حماية مورد مائي استراتيجي وضمان ألا تتحول الثروة الفلاحية التي توفر فرص الشغل ومداخيل مهمة إلى مصدر تهديد للفرشة المائية والأودية والتوازن البيئي.






