اقتصاد

الطماطم تفضح شعارات القدرة الشرائية.. الغلاء يعود بقوة مع الحكومة الجديدة والمواطن يدفع الثمن

عادت الطماطم لتشعل نقاش الغلاء في الأسواق المغربية، بعدما اقترب سعر الكيلوغرام الواحد من 11 درهماً في بعض نقاط البيع بالتقسيط، في مشهد يعيد إلى الواجهة السؤال الذي ظل يؤرق الأسر المغربية: أين تنتهي شعارات حماية القدرة الشرائية، وأين تبدأ مسؤولية الحكومة عن الأسعار التي يؤديها المواطن من جيبه يومياً؟

ففي سوق الجملة بمكناس، بلغ سعر الكيلوغرام من الطماطم نحو 8 دراهم بالنسبة إلى بعض الأصناف، بينما تراوح سعرها بالتقسيط بين 10 و11 درهماً، وفق معطيات مهنية متداولة يوم الخميس 29 أكتوبر 2026. وهي أسعار تضع هذه المادة الأساسية مجدداً في دائرة الغلاء، وتعيد التذكير بأن معاناة الأسر مع تكاليف المعيشة لم تنته، رغم الوعود المتكررة بتحسين الأوضاع الاجتماعية وتعزيز القدرة الشرائية.

واللافت أن هذه الموجة تأتي في بداية مرحلة حكومية جديدة، كان المواطن ينتظر معها مؤشرات ملموسة على تخفيف الضغط عن ميزانيته اليومية. لكن عودة الأسعار إلى الارتفاع تطرح علامات استفهام حول مدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة السريعة للتقلبات التي تصيب المواد الأساسية، وحول الفارق بين الخطاب السياسي والواقع الذي يواجهه المستهلك داخل الأسواق.

شعارات حكومية تصطدم بواقع الأسواق

لطالما احتلت حماية القدرة الشرائية موقعاً متقدماً في الخطاب الحكومي، باعتبارها أحد العناوين الأساسية للسياسات الاجتماعية، غير أن الاختبار الحقيقي لهذه الالتزامات لا يتم في التصريحات ولا في عرض البرامج، بل عند دخول المواطن إلى السوق ووقوفه أمام أسعار الخضر والمواد الغذائية التي لا يستطيع الاستغناء عنها.

فالأسرة التي كانت تشتري حاجياتها اليومية بميزانية محددة تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب مصاريفها كلما ارتفعت الأسعار، وقد تلجأ إلى تقليص كميات الاستهلاك أو الاستغناء عن بعض المنتجات. وبالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل، لا يتعلق الأمر بمجرد فرق محدود في ثمن الطماطم، بل بتراكم زيادات تمس مختلف جوانب الحياة اليومية، من الغذاء إلى النقل والسكن والخدمات.

ومن هنا، فإن عودة الغلاء مع الحكومة الجديدة، حتى في بداياتها، تضعها أمام امتحان اجتماعي مبكر. ولا يعني ذلك تحميلها وحدها مسؤولية جميع الاختلالات الموروثة أو العوامل الموسمية التي تتحكم في الإنتاج، لكنه يعني أن استمرار الضغط على المستهلك يفرض عليها تقديم أجوبة عملية، بدل الاكتفاء بتفسير ارتفاع الأسعار بعوامل خارجة عن السيطرة.

فالمواطن لا يشتري التفسيرات، بل يشتري حاجياته بأمواله، ولا يستطيع تأجيل مصاريف الغذاء إلى حين تحسن ظروف الإنتاج أو استقرار الأسواق.

بين نهاية موسم وبداية آخر.. من يحمي المستهلك؟

يربط مهنيون ارتفاع أسعار الطماطم بتراجع العرض خلال الفترة الانتقالية بين المواسم الزراعية، مع انتهاء الموسم الإنتاجي في منطقة دكالة وتأخر وصول كميات كافية من منطقة سوس، فضلاً عن صعوبات تواجه بعض الضيعات بسبب الأمراض النباتية والضغوط التي تطال الإنتاج.

وتبقى هذه العوامل جديرة بالاهتمام، لكنها لا تعفي الحكومة من مسؤولية بناء منظومة قادرة على استيعاب التقلبات الموسمية والحد من انعكاساتها على المستهلك. فإذا كان الانتقال بين المواسم معروفاً لدى الفاعلين في القطاع، فلماذا تتكرر الاختلالات نفسها كلما تراجع العرض؟ وأين هي التدابير الاستباقية التي تضمن استمرار التموين وتخفف من حدة الارتفاعات المفاجئة؟

إن مواجهة الغلاء لا تبدأ بعد اشتعال الأسعار، بل قبل ذلك، عبر تتبع الإنتاج والكميات المتاحة، وتحسين التنسيق بين مناطق الإنتاج والأسواق الاستهلاكية، وتعزيز مراقبة سلاسل التوزيع، وتوفير معطيات دقيقة وشفافة تسمح بالتدخل في الوقت المناسب.

كما أن الحديث عن الأمراض النباتية يفرض تسريع البحث الزراعي، وتطوير وسائل الوقاية والعلاج، ومواكبة المنتجين حتى لا تتحول الخسائر التي يتكبدونها إلى ضغط إضافي على العرض والأسعار.

من سوق الجملة إلى جيب المواطن.. أين يذهب فارق الأسعار؟

إن وصول سعر الطماطم إلى مستويات مرتفعة بالتقسيط يثير أيضاً سؤال الفارق بين السعر عند خروج المنتوج من سوق الجملة والسعر الذي يؤديه المستهلك النهائي. ولا يمكن اعتبار هذا الفارق دليلاً تلقائياً على وجود مضاربات، إذ ينبغي احتساب النقل والتخزين والخسائر وهوامش التوزيع، لكن ذلك لا يمنع من المطالبة بكشف مكونات الأسعار وتحديد المسؤوليات عندما تظهر اختلالات غير مبررة.

وهنا تبرز مسؤولية أجهزة المراقبة والسلطات المختصة في ضمان شفافية المعاملات واحترام قواعد المنافسة، والتصدي لأي ممارسات غير مشروعة قد تساهم في تضخيم الأسعار. كما أن نشر مؤشرات يومية واضحة حول أسعار الجملة والتقسيط، بحسب المناطق والجودة، من شأنه أن يساعد المستهلك على فهم تطور السوق ويمنح السلطات أدوات أفضل لتحديد مكامن الخلل.

أما اختزال الأزمة في التصدير وحده، أو نفي أي تأثير محتمل له دون تقديم بيانات دقيقة، فلا يساعد على فهم المشكلة. المطلوب هو نشر أرقام الإنتاج والصادرات والكميات الموجهة إلى السوق الوطنية، حتى تتحدد العوامل الفعلية وراء ارتفاع الأسعار، بعيداً عن التبريرات الجاهزة وتبادل الاتهامات.

حماية القدرة الشرائية تحتاج إلى نتائج لا إلى شعارات

لقد أصبح الغلاء أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الحكومة والمواطن، لأنه يمس الحياة اليومية بصورة مباشرة، ولا يحتاج إلى تقارير معقدة حتى يشعر الناس بتداعياته. فحين يرتفع ثمن مادة أساسية، تكون الأسر أول من يتحمل الكلفة، بينما تبقى قدرتها على زيادة دخلها محدودة، خصوصاً لدى الفئات التي تعتمد على أجور ثابتة أو موارد غير مستقرة.

ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي أمام الحكومة الجديدة يتمثل في الانتقال من إعلان النوايا الاجتماعية إلى اعتماد إجراءات قابلة للقياس، تشمل تحسين مراقبة الأسواق، وضمان انتظام التموين، ومراجعة اختلالات سلاسل التسويق، ومواكبة الفلاحين، وتعزيز المنافسة، وتقديم حصيلة واضحة حول تطور أسعار المواد الأساسية.

كما أن تقييم الأداء الحكومي ينبغي أن يستند إلى مؤشرات ملموسة، من بينها تطور أسعار الغذاء، ومستوى دخل الأسر، وكلفة المعيشة، ومدى وصول التدابير الاجتماعية إلى الفئات الأكثر تضرراً. فنجاح أي سياسة اجتماعية لا يقاس بعدد الوعود المعلنة، بل بقدرتها على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

إن ارتفاع أسعار الطماطم ليس مجرد واقعة عابرة في سوق الخضر، بل مناسبة جديدة لمساءلة السياسات التي يفترض أن تحمي القدرة الشرائية وتضمن التوازن بين مصالح المنتجين والتجار والمستهلكين. وإذا كانت بعض أسباب الارتفاع مرتبطة بالمواسم والإنتاج، فإن تكرار الأزمة يفرض البحث عن حلول هيكلية بدل انتظار انخفاض الأسعار تلقائياً مع وصول المحاصيل الجديدة.

لقد عاد الغلاء ليضع الحكومة الجديدة أمام أولويات الشارع، وليذكر بأن شعارات حماية القدرة الشرائية تفقد قيمتها حين لا يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية. فالمطلوب ليس أن تختفي التقلبات من الأسواق، وهو أمر يصعب ضمانه بصورة مطلقة، بل أن تمتلك الدولة سياسات استباقية وفعالة تحد من آثارها، وتمنع تحول كل نقص موسمي إلى أزمة جديدة يدفع المواطن ثمنها من قوته اليومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى