بوريطة يضع إسبانيا أمام مسؤوليتها في ملف الهجرة.. المغرب يرفض دور «دركي أوروبا» ويحمّل مدريد مسؤولية ما يحدث في سبتة

رفع المغرب، عبر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، من سقف لهجته تجاه المقاربة الإسبانية لملف الهجرة، مؤكداً أن الشراكة بين الرباط ومدريد لا يمكن أن تستمر بمنطق الاتهامات والمزايدات السياسية، وأن المغرب لن يقبل بأن يتحول ملف الهجرة إلى أداة لإلقاء المسؤولية عليه كلما ظهرت أزمة على الضفة الإسبانية.
وجاء موقف بوريطة، الخميس في نيويورك، عقب لقائه نظيره الإسباني خوسي مانويل ألباريس، ليضع ملف الهجرة مجدداً في قلب العلاقات المغربية الإسبانية، خصوصاً بعد أزمة سبتة خلال يوليوز الماضي، والتي شهدت دخول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المدينة المحتلة في واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي عرفتها الحدود الأوروبية مع إفريقيا خلال السنوات الأخيرة. وقد تحدثت مؤسسات أوروبية عن نحو 80 ألف شخص عبروا إلى سبتة في 30 يوليوز، مع تسجيل عشرات الوفيات.
ولم يكتف بوريطة بتأكيد موقف المغرب التقليدي من التعاون في مجال الهجرة، بل وجّه رسالة مباشرة إلى الفاعلين السياسيين الإسبان الذين يواصلون، بحسب تعبيره، تقديم قراءات لا تعكس حقيقة المغرب اليوم ولا تعقيدات تدبير الهجرة في المنطقة.
وقال بوريطة إن «الشراكة لا تبنى على مرافعات لا أساس لها وخطاب عقيم»، معتبراً أن تصريحات بعض السياسيين الإسبان تكشف عدم إدراكهم لقيمة الشراكة الثنائية، بل وعدم معرفتهم بمغرب اليوم ولا بكيفية تدبيره لقضية الهجرة. وشدد على أن الهجرة وحسن الجوار لا يمكن تدبيرهما بالمزايدات والاتهامات المجانية.
والرسالة المغربية هنا تتجاوز الرد على تصريح عابر، لتضع المسؤولية أمام الجانب الإسباني نفسه: المغرب يتعاون، يحرس حدوده، ويوقف محاولات العبور، لكنه ليس جهاز حراسة تابعاً للاتحاد الأوروبي ولا «دركياً» مكلفاً بحماية الحدود الأوروبية نيابة عن مدريد وبروكسيل.
وتزداد حدة هذا الموقف بالنظر إلى أن المغرب نفسه يواجه ضغطاً متزايداً على حدوده الشمالية والجنوبية بسبب تدفقات الهجرة غير النظامية القادمة من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يجعل الرباط تتعامل مع ظاهرة عابرة للحدود لا يمكن اختزالها في مسؤولية دولة واحدة.
فالمغرب يوجد في موقع جغرافي يجعله بلد عبور واستقرار في آن واحد، ويجد نفسه مضطراً إلى مراقبة حدوده الجنوبية والصحراء، وإدارة تدفقات مهاجرين يصلون من مسارات إفريقية متعددة، ثم التعامل مع محاولات العبور نحو الشمال، سواء عبر البحر أو في اتجاه سبتة ومليلية.
وفي هذا السياق، يصبح تحميل المغرب وحده مسؤولية ما يحدث على الحدود الشمالية قراءة تختزل أزمة معقدة في طرف واحد، خصوصاً أن سبتة نفسها تقع تحت السيادة الإسبانية وتخضع لإدارة إسبانية، وبالتالي فإن كيفية التعامل مع الأشخاص الذين يدخلون إلى المدينة، وإيوائهم، وتسجيلهم، وترحيل من لا تتوفر فيهم شروط الإقامة، تبقى في جانب أساسي منها مسؤولية المؤسسات الإسبانية.
وهذه النقطة تحديداً هي التي أعاد بوريطة إبرازها بوضوح أكبر، إذ أكد أن المغرب ينطلق من موقف واضح بشأن عودة جميع المهاجرين غير النظاميين والقاصرين غير المصحوبين، مشيراً إلى أنه إذا لم تتم هذه العودة، فإن السؤال ينبغي أن يوجَّه إلى إسبانيا وليس إلى المغرب.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية أكبر لأن مدريد نفسها أقرت بأن التعاون مع المغرب كان حاسماً في إعادة أعداد كبيرة من الأشخاص الذين دخلوا سبتة خلال أزمة يوليوز. فقد أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن نحو 50 ألف شخص عادوا خلال أقل من 24 ساعة، وأن العدد بلغ حوالي 63 ألفاً بعد 72 ساعة، أي أكثر من 90 في المائة من الذين دخلوا خلال الأزمة، مؤكداً أن التعاون مع السلطات المغربية كان ضرورياً لإنجاز عمليات الإعادة.
لكن المفارقة التي تبرزها الرباط هي أن هذا الدور المغربي في احتواء الأزمة لا يقابله، في نظرها، خطاب سياسي إسباني يحافظ دائماً على المستوى نفسه من الاعتراف، إذ سرعان ما تعود بعض الأصوات السياسية في إسبانيا إلى توجيه أصابع الاتهام نحو المغرب كلما ارتفع منسوب الضغط على سبتة أو مليلية.
والأكثر إثارة في الأزمة الأخيرة أن وثائق رفعت عنها السرية في إسبانيا أظهرت أن أجهزة الاستخبارات الإسبانية كانت قد حذرت قبل يوم من إمكانية وقوع محاولة عبور جماعي، وأن التحذيرات وصلت إلى جهات إسبانية ومغربية. وهذا المعطى يجعل اختزال الأزمة في مسؤولية مغربية أمراً أكثر تعقيداً، خصوصاً أن أجهزة إسبانية كانت تتابع مؤشرات التصعيد قبل وقوعه.
وفي المقابل، نفت الرباط أي ضلوع لها في تنظيم موجة العبور الجماعي، وقالت وزارة الخارجية المغربية إنه لا توجد أدلة تثبت تورط المغرب في العملية. كما نفت السلطات الإسبانية لاحقاً وجود تقرير أمني رسمي يثبت أن الأجهزة المغربية خططت أو نفذت عملية دفع المهاجرين نحو الحدود.
سبتة.. حين تتحول الحدود إلى مسؤولية إسبانية وأوروبية
الموقف المغربي الجديد لا ينفصل عن تحركات مدريد نفسها، التي سعت خلال الأسابيع الماضية إلى نقل ملف سبتة ومليلية من الإطار الثنائي مع المغرب إلى مستوى أوروبي أوسع.
فوزير الخارجية الإسباني ألباريس تحرك داخل المؤسسات الأوروبية من أجل تعزيز موقع سبتة ومليلية داخل الاتحاد الأوروبي، كما طلبت مدريد تمويلاً أوروبياً لتعزيز الأمن الحدودي في سبتة، وحصلت على إعلان أوروبي بتخصيص 114,7 مليون يورو في هذا السياق.
وهنا تظهر إحدى نقاط الخلاف الأساسية: مدريد تريد أن تصبح سبتة ومليلية جزءاً أكثر حضوراً في المنظومة الأوروبية للحدود والهجرة والأمن، بينما يؤكد المغرب، من جهته، أنه لا يمكن أن يتحمل بمفرده أعباء حماية الحدود الأوروبية، وأن التعاون الأمني والهجرة يجب أن يكونا جزءاً من شراكة متوازنة.
والمغرب، وفق هذا المنظور، لا يرفض التعاون، بل يرفض تحويل التعاون إلى التزام أحادي الجانب.
فالرباط قدمت خلال السنوات الماضية تعاوناً أمنياً واسعاً مع إسبانيا والدول الأوروبية، وواجهت شبكات الهجرة غير النظامية، وفككت شبكات للاتجار بالبشر، ومنعت محاولات عبور جماعي، وتعاونت في إعادة أشخاص يوجدون في وضعية غير قانونية، فضلاً عن تحملها جزءاً كبيراً من الضغط الناتج عن موقعها الجغرافي كبلد عبور نحو أوروبا.
لكن في الوقت نفسه، فإن المغرب نفسه بات بلداً يستقبل ويحتضن أعداداً من المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يعني أن الدولة المغربية لا تتعامل مع الهجرة باعتبارها مجرد مشكلة أوروبية، وإنما مع ظاهرة تؤثر مباشرة في أمنها وحدودها ومدنها ومواردها.
بوريطة يرد على «مغرب الأمس» برسالة إلى إسبانيا
ولهذا حمل تصريح بوريطة رسالة سياسية تتجاوز أزمة سبتة الحالية، عندما تحدث عن «مغرب اليوم»، في إشارة واضحة إلى أن الرباط لا تقبل استمرار بعض المقاربات التي تنظر إليها باعتبارها مجرد طرف مطلوب منه تنفيذ مطالب أوروبية في ملف الهجرة.
المغرب، كما يعكس موقف وزير خارجيته، يريد شراكة متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، لا علاقة يكون فيها التعاون في الهجرة مرتبطاً باستمرار الاتهامات أو المرافعات السياسية.
ومن هذه الزاوية، فإن عبارة بوريطة بأن «الشراكة لا تبنى على مرافعات لا أساس لها» تحمل رسالة شديدة الوضوح إلى مدريد: إذا كانت إسبانيا تريد شراكة استراتيجية مع المغرب، فعليها أن تتعامل مع الرباط كشريك كامل، وليس كحارس حدود خارجي.
ويبدو أن هذا النقاش سيستمر، خصوصاً أن أزمة سبتة لم تنتهِ بالكامل. فبعد موجة العبور الجماعي، ظلت المدينة تواجه تداعيات إنسانية ولوجستية، فيما اضطرت الحكومة الإسبانية إلى إنشاء أماكن استقبال إضافية وتعزيز مواردها، وأعلنت عن عمليات إعادة إلى المغرب.
وفي الوقت ذاته، لا تزال القضية مرتبطة بسؤال أوسع: من يتحمل تكلفة حماية الحدود الأوروبية الجنوبية؟
بالنسبة إلى مدريد، يشكل المغرب الجار المباشر والفاعل الأساسي في منع تدفقات الهجرة نحو سبتة ومليلية. أما الرباط فترد بأن التعاون شيء وتحميل المغرب كامل المسؤولية شيء آخر، وأن الحدود الإسبانية مع إفريقيا لا يمكن أن تتحول إلى ملف مغربي خالص.
ومن هنا، فإن اجتماع بوريطة وألباريس في نيويورك لم يكن مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل محطة لإعادة ضبط خطاب الطرفين بعد واحدة من أصعب أزمات الهجرة التي عرفتها العلاقات المغربية الإسبانية في السنوات الأخيرة.
فالرباط تريد استمرار التعاون، لكنها تريد في المقابل وقف خطاب الاتهام. ومدريد تحتاج إلى المغرب في إدارة الهجرة، لكنها تحاول في الوقت نفسه تعزيز حضور سبتة ومليلية داخل المنظومة الأوروبية.
وبين الموقفين، تبدو الرسالة المغربية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: المغرب سيواصل حماية حدوده والتعاون في مواجهة الهجرة غير النظامية، لكنه لن يقبل بأن يتحول إلى «دركي لأوروبا»، ولن يقبل أيضاً أن يصبح شماعة جاهزة لتحميله كل أزمة تظهر في سبتة أو على الحدود الأوروبية الجنوبية.
وفي نهاية المطاف، فإن الهجرة التي تصل إلى الشمال لا تبدأ من المغرب وحده، والمغرب نفسه يعاني من تدفقات بشرية قادمة من عمق القارة الإفريقية، ويواجه حدوداً ومسارات ومساحات شاسعة وتهديدات مرتبطة بشبكات الاتجار بالبشر. ولذلك، فإن معالجة الظاهرة تحتاج إلى شراكة حقيقية بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي ودول المصدر والعبور، وليس إلى تبادل الاتهامات كلما انفجرت أزمة جديدة.
والرسالة التي خرج بها بوريطة من نيويورك تبدو حاسمة: التعاون المغربي الإسباني في الهجرة مستمر، لكن قواعده يجب أن تقوم على الندية والاحترام وتقاسم المسؤولية، لا على مطالبة المغرب بأن يحمي أوروبا ثم يتحمل وحده كلفة الأزمات السياسية والإعلامية التي تقع على حدودها.






