بعد انتكاسة المونديال.. وهبي أمام اختبار الغابون لإثبات اختياراته وبناء منتخب قار

يدخل المنتخب الوطني المغربي، مساء الجمعة، مرحلة جديدة بعد مونديال 2026، عندما يستقبل منتخب الغابون بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، برسم الجولة الأولى من تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027، في أول اختبار رسمي للناخب الوطني محمد وهبي منذ نهاية المشاركة المغربية في كأس العالم.
وتكتسي مواجهة الغابون أهمية خاصة لأنها تأتي في توقيت يبحث فيه المنتخب عن تجاوز خيبة الخروج من ربع نهائي المونديال أمام فرنسا، واستثمار المكتسبات التي تحققت خلال البطولة، وفي مقدمتها بلوغ دور الثمانية للمرة الثانية توالياً، وهو إنجاز غير مسبوق لمنتخب إفريقي، مع معالجة النقائص التي ظهرت في المباراة التي انتهت بفوز فرنسا بهدفين دون رد.
وهبي لم يدخل هذه المرحلة من الصفر، لكنه أمام مهمة أكثر تعقيداً من مجرد تحقيق الانتصار في مباراة الغابون. فالمنتخب الذي ورثه بعد رحيل وليد الركراكي كان يملك نواة قوية ولاعبين راكموا تجربة دولية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه مطالب الآن بفتح الباب أمام جيل جديد، وإعادة ترتيب بعض المراكز، والأهم الوصول تدريجياً إلى تشكيلة واضحة المعالم.
ومنذ توليه المسؤولية في مارس الماضي، اختار وهبي منح مساحة أكبر لبعض الأسماء الشابة، مستفيداً من معرفته الكبيرة بالجيل الذي توج معه بكأس العالم لأقل من 20 سنة سنة 2025. وفي القائمة الحالية التي تضم 29 لاعباً، استدعى ثلاثة لاعبين لم يسبق لهم خوض أي مباراة دولية مع المنتخب الأول، وهم عبد الله وزان وسفيان الفوزي وياسر الزبيري، إلى جانب أسماء شابة أخرى دخلت الحسابات بقوة.
لكن الاختبار الحقيقي لا يتعلق بعدد الوجوه الجديدة بقدر ما يتعلق بقدرة وهبي على تحويل هذه الخيارات إلى منظومة مستقرة. فالتجريب يصبح مفهوماً عندما يكون الهدف الوصول إلى تركيبة نهائية، غير أن استمرار التغييرات في المراكز الأساسية مع مرور الوقت قد يعيد فتح السؤال الذي رافق المنتخب خلال فترات مختلفة: متى سيستقر المنتخب على عموده الفقري وعلى أحد عشر لاعباً أساسياً يعرف كل واحد منهم دوره ومركزه؟
والواقع أن جزءاً من التغييرات الحالية فرضته ظروف موضوعية لا يتحمل وهبي مسؤوليتها بالكامل. فأيوب الكعبي وشادي رياض ويوسف بلعمري يغيبون بسبب الإصابة، فيما يغيب أشرف حكيمي وإسماعيل الصيباري عن مباراة الغابون بسبب الإيقاف، بينما تحيط علامات استفهام بجاهزية بعض العناصر الأخرى، من بينها إبراهيم دياز. كما عاد نايف أكرد إلى المجموعة بعد غيابه عن المونديال بسبب الإصابة.
ولهذا فإن مباراة الغابون لن تكون بالضرورة مناسبة للحكم النهائي على مشروع وهبي، لكنها ستكون مؤشراً مهماً على الاتجاه الذي يسير فيه المنتخب. فالمدرب مطالب بإيجاد حلول للغيابات، وفي الوقت نفسه الحفاظ على شخصية المنتخب وعدم تحويل كل توقف دولي إلى عملية إعادة بناء شاملة.
ويظهر ذلك بوضوح في الخط الخلفي، حيث يفرض غياب حكيمي البحث عن بديل في الجهة اليمنى، بينما تمنح عودة نايف أكرد خيارات إضافية في قلب الدفاع. وفي وسط الميدان، تتعدد الأسماء والخيارات بين نائل العيناوي وأيوب بوعدي وعز الدين أوناحي وبلال الخنوس وأسامة ترغالين وغيرهم، وهو ما يضع أمام وهبي وفرة في الخيارات، لكنه يفرض عليه أيضاً اختيار التركيبة الأكثر انسجاماً وليس فقط الأكثر وفرة في الأسماء.
أما الخط الأمامي، فيبدو أكثر تأثراً بالغيابات، خصوصاً مع إصابة الكعبي، وغياب الصيباري عن مباراة الغابون، وعدم وضوح الوضع النهائي لبعض العناصر. وهنا سيكون على وهبي إيجاد التوازن بين الحفاظ على اللاعبين الذين يشكلون العمود الفقري للمنتخب ومنح الفرصة للوجوه التي يريد إدماجها في المرحلة المقبلة.
وتحمل هذه الاختيارات أيضاً أثراً مباشراً من تجربة كأس العالم. فقد أجرى وهبي خلال المونديال نفسه عدداً من التعديلات على التشكيلة، بعضها كان مرتبطاً بإصابات أو بإراحة اللاعبين، وبعضها الآخر بخيارات تكتيكية. ففي مواجهة هايتي، مثلاً، أجرى أربعة تغييرات على التشكيلة الأساسية، قبل أن يدخل تعديلات أخرى خلال الأدوار الإقصائية.
ولا يمكن فصل ذلك عن حصيلة المونديال. فالمنتخب بلغ ربع النهائي، وتجاوز كندا بثلاثية نظيفة في دور الـ16، لكنه توقف أمام فرنسا بنتيجة 2-0، في مباراة رأى فيها وهبي نفسه أن المنتخب الفرنسي كان أكثر قدرة على فرض إيقاعه وصناعة الفرص. وبالتالي فإن الحديث عن «انتكاسة» يجب أن يرتبط تحديداً بعدم بلوغ نصف النهائي بعد أن ارتفعت سقوف الطموحات المغربية، وليس باعتبار بلوغ ربع النهائي إخفاقاً في حد ذاته.
وهنا تبدأ مهمة وهبي الحقيقية.
فالمنتخب المغربي لم يعد يقاس فقط بالوصول إلى الأدوار المتقدمة، وإنما أيضاً بقدرته على تحويل جيله الحالي إلى مشروع طويل الأمد. والمطلوب خلال الفترة المقبلة هو أن تتوقف عملية البحث عن التشكيلة في مرحلة معينة، وأن تظهر ملامح فريق أساسي واضح، مع وجود بدلاء قادرين على تعويض الغيابات دون تغيير هوية المنتخب.
ومن هذه الزاوية، فإن مباراة الغابون ستكون اختباراً مزدوجاً: اختبار النتيجة، واختبار الاختيارات. فالفوز سيمنح وهبي بداية قوية في تصفيات كأس إفريقيا، لكن الأهم سيكون الطريقة التي سيلعب بها المنتخب، ومدى وضوح الأدوار، وقدرته على التحكم في المباراة، ومدى نجاح العناصر الجديدة في الاندماج داخل المجموعة.
وتزداد أهمية هذا المسار لأن المنتخب سيخوض مباشرة بعد مواجهة الغابون مباراة أخرى أمام ليسوتو في بلومفونتين بجنوب إفريقيا يوم 29 شتنبر، قبل أن يختتم فترة التوقف الدولي بمواجهة ودية أمام غانا يوم 4 أكتوبر بملعب طنجة الكبير. وهذا البرنامج يمنح وهبي ثلاث مباريات في فترة قصيرة تسمح له باختبار عدد من الخيارات، لكن أيضاً باستخلاص ملامح التشكيلة التي يمكن أن يعتمد عليها في الاستحقاقات المقبلة.
وفي المقابل، يدخل منتخب الغابون المباراة بدوره في بداية مرحلة جديدة تحت قيادة المدرب الفرنسي سيباستيان مينيي، الذي يخوض أول اختبار تنافسي له مع المنتخب، مع غياب القائد السابق بيير إيميريك أوباميانغ بعد اعتزاله اللعب الدولي، بينما تضم القائمة أسماء ذات خبرة مثل دينيس بوانغا وماريو ليمينا وغيور كوانغا.
وهكذا، لا تبدو مواجهة الجمعة مجرد افتتاح لتصفيات كأس أمم إفريقيا 2027، وإنما محطة لإعادة ضبط بوصلة المنتخب المغربي بعد مونديال انتهى عند ربع النهائي، وقبل الدخول في مرحلة جديدة تحتاج إلى وضوح أكبر في الاختيارات.
الرهان أمام وهبي لن يكون فقط على من سيبدأ مباراة الغابون، بل على ما إذا كان المدرب سيتمكن خلال الأشهر المقبلة من تثبيت العمود الفقري للمنتخب، والاستقرار على تشكيلة أساسية ذات ملامح واضحة، مع الاحتفاظ بهامش التغيير الضروري عندما تفرض الإصابات أو الجاهزية أو طبيعة المنافس ذلك.
وبين جيل الخبرة والوجوه الصاعدة، وبين الحاجة إلى الاستقرار وضرورة التجديد، يقف وهبي أمام مرحلة دقيقة. فالتجريب جزء طبيعي من بناء أي منتخب، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يقود في النهاية إلى فريق أكثر وضوحاً وانسجاماً واستقراراً.
ومن ملعب الأمير مولاي عبد الله، يبدأ الاختبار الجديد: هل سيكون الغابون بداية لمرحلة أكثر استقراراً في اختيارات وهبي، أم ستتواصل سياسة التغيير بحثاً عن التركيبة التي لم تستقر ملامحها بعد؟






