فيتش ترسم خريطة الاقتصاد المغربي بعد انتخابات 2026.. استقرار التصنيف وضغوط الإنفاق في الواجهة

دخل الاقتصاد المغربي مرحلة جديدة من التقييم الدولي مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026، بعدما أبقت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني على التصنيف السيادي طويل الأجل للمغرب عند مستوى «بي بي موجب» مع نظرة مستقبلية مستقرة، معتبرة أن الاستحقاق الانتخابي المرتقب لا يُنتظر، وفق تقديراتها، أن يقود إلى تغيير جوهري في الاتجاه العام للسياسة الاقتصادية.
ويأتي تقييم الوكالة في وقت يواصل فيه المغرب تنفيذ أوراش استثمارية كبرى وإصلاحات مالية واجتماعية واسعة، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق المرتبط بالبنيات التحتية والاستعدادات للاستحقاقات الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، فيما تواجه المالية العمومية ضغوطاً مرتبطة بأسعار الطاقة والحاجة إلى مواصلة تمويل عدد من البرامج الاجتماعية والاستثمارية.
فيتش تثبت تصنيف المغرب
في مراجعتها المنشورة يوم 17 شتنبر 2026، أكدت فيتش تصنيف المغرب عند «بي بي موجب» مع نظرة مستقبلية مستقرة، مستندة إلى مجموعة من العوامل التي اعتبرتها داعمة للملاءة السيادية، من بينها السياسات الاقتصادية الكلية، واحتياطيات السيولة الخارجية، والدعم الذي توفره الجهات الدائنة الرسمية، إلى جانب بنية دين تعتبرها الوكالة ملائمة نسبياً من حيث آجال الاستحقاق ونسبة كبيرة من التمويل ذي السعر الثابت.
وفي المقابل، أشارت الوكالة إلى مجموعة من العوامل التي تحد من مستوى التصنيف، وفي مقدمتها ارتفاع الدين الحكومي مقارنة بالدول النظيرة، ومؤشرات التنمية والحكامة، فضلاً عن تعرض الاقتصاد المغربي للظروف المناخية وتأثيراتها المحتملة على النشاط الاقتصادي.
وبحسب فيتش، فإن تثبيت التصنيف يعكس استمرار قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة الصدمات الخارجية، في ظل توفر احتياطيات مهمة من العملة الأجنبية واستمرار الوصول إلى التمويل الخارجي، مع المحافظة على إطار للسياسات الاقتصادية الكلية تعتبره الوكالة مستقراً.
الانتخابات والسياسة الاقتصادية
وفي ما يتعلق بالانتخابات التشريعية، قالت فيتش إن نتيجة استحقاقات شتنبر 2026 لا يُتوقع أن تغير بصورة جوهرية الاتجاه العام للسياسة الاقتصادية المغربية.
وتشير الوكالة إلى أن السلطات ستظل، وفق تقديراتها، مركزة على مسار ضبط المالية العمومية بغض النظر عن تركيبة الحكومة المقبلة، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن الضغوط الاجتماعية والمطالب المرتبطة بأولويات الإنفاق قد تشكل تحدياً أمام هذا المسار، إذا أدت إلى ارتفاع الإنفاق العمومي مقارنة بالافتراضات الحالية.
وهذا التقييم لا يتناول نتيجة الانتخابات أو ترتيب القوى السياسية، وإنما يركز على استمرارية الإطار الاقتصادي والمالي الذي تنظر إليه الوكالة باعتباره أحد العناصر المؤثرة في التصنيف السيادي.
عجز الميزانية أمام اختبار جديد
وتتوقع فيتش أن يتسع عجز الميزانية إلى نحو 4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال سنة 2026، مقابل 3.5 في المائة سنة 2025، قبل أن يتراجع متوسط العجز إلى نحو 3.4 في المائة خلال سنتي 2027 و2028.
وتربط الوكالة الارتفاع المتوقع في عجز 2026، من بين عوامل أخرى، بزيادة النفقات المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والتداعيات المرتبطة بأزمة مضيق هرمز، وما نتج عنها من ارتفاع في كلفة دعم غاز البوتان، واستمرار دعم مهنيي النقل، وتحويلات إضافية لفائدة الشركة الوطنية للكهرباء والماء.
في المقابل، ترى فيتش أن تراجع الضغوط المرتبطة بالطاقة خلال السنوات المقبلة يمكن أن يساعد على تقليص العجز، خصوصاً مع استمرار إصلاحات الموارد الجبائية وتحسن التحصيل.
وتتقاطع هذه الرؤية مع المعطيات الرسمية لوزارة الاقتصاد والمالية، التي تواصل نشر مؤشرات تنفيذ ميزانية 2026 والبرمجة الميزانياتية للسنوات الثلاث المقبلة، في إطار تتبع تطور الموارد والنفقات والدين العمومي.
الدين الحكومي عند 67 في المائة
على مستوى الدين، تتوقع فيتش أن يظل دين الحكومة المركزية مستقراً نسبياً عند حوالي 67 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في أفق 2028، وهو المستوى نفسه تقريباً الذي سجلته سنة 2025 بحسب الوكالة.
وتعتبر فيتش أن بنية الدين المغربي توفر بعض عوامل الحماية من مخاطر إعادة التمويل وتقلبات أسعار الصرف، بالنظر إلى طول آجال الاستحقاق وارتفاع حصة الديون ذات أسعار الفائدة الثابتة، فضلاً عن أهمية التمويلات الخارجية بشروط ميسرة.
وتُظهر بيانات وزارة الاقتصاد والمالية، من جهتها، أن إجمالي الدين القائم للإدارة المركزية بلغ حوالي 1.17 تريليون درهم في الربع الأول من سنة 2026، منها نحو 867.2 مليار درهم من الدين الداخلي وحوالي 302.6 مليار درهم من الدين الخارجي.
وتوفر هذه المعطيات صورة أكثر تفصيلاً عن هيكلة الدين، في وقت تركز فيه المؤسسات الدولية على نسبة الدين إلى الناتج باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية لتقييم الاستدامة المالية.
النمو يتباطأ في 2026
على مستوى النمو الاقتصادي، تتوقع فيتش أن يسجل الاقتصاد المغربي نمواً حقيقياً بنسبة 4 في المائة خلال 2026، مقارنة مع 4.9 في المائة خلال 2025، على أن يصل متوسط النمو إلى 4.2 في المائة خلال 2027 و2028.
وتربط الوكالة تباطؤ النمو المتوقع خلال 2026 بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وضعف الطلب الخارجي، خصوصاً من أوروبا، في مقابل عوامل داعمة تشمل موسمًا فلاحياً قوياً وتحسن التساقطات، إلى جانب استمرار الاستثمارات في البنيات التحتية والصناعة والسياحة.
وترى الوكالة أن الظروف الخارجية وتحسن أسعار الطاقة يمكن أن يدعما النشاط غير الفلاحي خلال 2027 و2028، بينما قد يعود أداء القطاع الزراعي إلى مستويات أكثر اعتيادية بعد الموسم القوي المتوقع في 2026.
احتياطيات قوية وخط ائتماني إضافي
ومن بين عناصر القوة التي استندت إليها فيتش في تثبيت التصنيف، احتياطيات المغرب من العملة الأجنبية، التي بلغت نحو 48 مليار دولار في نهاية 2025 وفق معطيات الوكالة.
وتتوقع فيتش استمرار ارتفاع الاحتياطيات بشكل معتدل خلال الفترة المقبلة، مدعومة بمداخيل الصادرات وتحسن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، مع توقع بلوغ متوسط تغطية الاحتياطيات حوالي 5.1 أشهر من المدفوعات الخارجية الجارية خلال الفترة 2026-2028.
كما أشارت الوكالة إلى موافقة صندوق النقد الدولي في أبريل 2026 على ترتيب جديد لخط ائتماني مرن لمدة عامين بقيمة تقارب 4.5 مليارات دولار، باعتباره هامش أمان إضافياً أمام الصدمات الخارجية.
استثمارات ضخمة استعداداً لـ2030
وتولي فيتش اهتماماً خاصاً للبرنامج الاستثماري المغربي المرتبط بالبنيات التحتية والاستعداد لكأس العالم 2030، معتبرة أن جزءاً كبيراً من هذه الاستثمارات سيتم عبر المؤسسات والمقاولات العمومية والشراكات بين القطاعين العام والخاص وغيرها من الكيانات خارج الميزانية المباشرة للدولة.
لكن الوكالة تنبه في المقابل إلى أن هذه الاستثمارات يمكن أن تشكل ضغطاً على المالية العمومية في حال تجاوز تكاليف المشاريع التقديرات الأولية، أو احتاجت المؤسسات العمومية إلى دعم إضافي من الدولة، أو تراكمت التزامات محتملة قد تنتقل في مرحلة لاحقة إلى ميزانية الدولة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل حجم الأوراش التي يعرفها المغرب في قطاعات النقل والمطارات والموانئ والطرق والسكك الحديدية والماء والطاقة والبنيات الرياضية والسياحية.
الإصلاحات المالية مستمرة
في المقابل، تؤكد المعطيات الرسمية المغربية أن الحفاظ على توازن المالية العمومية يمثل أحد المحاور الرئيسية للسياسة المالية.
ويشير التقرير الاقتصادي والمالي المرافق لقانون المالية لسنة 2026 إلى استمرار مجموعة من الإصلاحات الهيكلية، من بينها إصلاح النظام الجبائي، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتشجيع الاستثمار الخاص، وتفعيل ميثاق الاستثمار، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الرامية إلى الحفاظ على استدامة المالية العمومية.
وكانت الحكومة قد بنت قانون المالية لسنة 2026 على فرضيات تستهدف نمواً اقتصادياً أعلى، مع تحديد هدف لعجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وهي فرضيات تختلف عن تقديرات فيتش الأحدث التي تأخذ في الاعتبار تطورات اقتصادية ومالية حدثت خلال السنة.
التحدي المقبل: التوفيق بين الاستثمار والتوازن المالي
وتضع قراءة فيتش الاقتصاد المغربي أمام معادلة دقيقة خلال السنوات المقبلة: مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى، والاستجابة للحاجيات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه المحافظة على مسار يحد من ارتفاع الدين والعجز.
ولا تقدم الوكالة الانتخابات التشريعية باعتبارها نقطة تحول تلقائية في السياسة الاقتصادية، بل تنظر إليها ضمن سياق أوسع يرتبط بقدرة المؤسسات على مواصلة تنفيذ السياسات المالية والاقتصادية والحفاظ على الاستقرار الماكرو اقتصادي.
وبذلك، فإن الرسالة الأساسية في تقييم فيتش لا ترتبط فقط بمستوى التصنيف الائتماني، وإنما بقدرة المغرب على المحافظة على التوازن بين الاستثمار العمومي، الإنفاق الاجتماعي، النمو الاقتصادي، وضبط المديونية، في مرحلة تستعد فيها المملكة لمواصلة أوراش استثمارية واسعة استعداداً لاستحقاقات 2030.
وفي الأفق القريب، ستظل هذه المعادلة مرتبطة بتطور أسعار الطاقة، وأداء الاقتصاد الأوروبي، والموسم الفلاحي، وتدفقات الاستثمار، ومسار الإيرادات الجبائية، إلى جانب حجم الإنفاق المرتبط بالمشاريع الكبرى، وهي عناصر ستحدد بدورها المساحة المتاحة أمام المالية العمومية خلال السنوات المقبلة.






