سياسة

ملف الأحد | المغرب القوي في عهد جلالة الملك محمد السادس.. حين أصبحت الحدود والسيادة والقرار الوطني خطوطاً لا تُختبر

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

15 غشت.. حين أفشل المغرب محاولة إعادة سيناريو الهجوم على سبتة

لم يعد المغرب الذي يقف اليوم على الضفة الجنوبية للمتوسط هو ذلك البلد الذي كانت صورته تُرسم من الخارج، أو الدولة التي ينظر إليها باعتبارها مجرد مجال جغرافي قريب من أوروبا وممر محتمل نحوها. الأحداث التي عرفتها منطقة الفنيدق وسبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة، خصوصاً يوم 15 غشت، قدمت صورة واضحة عن دولة أصبحت تمتلك أدواتها الأمنية وقرارها السيادي، وقادرة على التعامل مع ضغط جماعي واسع سبقت إليه دعوات وتحركات على شبكات التواصل الاجتماعي. فبعدما جرى الترويج لمحاولة جديدة للوصول إلى سبتة، تحركت مختلف القوات العمومية والمصالح الأمنية بشكل استباقي، وامتدت عمليات المراقبة والتمشيط إلى المناطق الجبلية والغابوية والمسالك المؤدية إلى الحدود، مع تسخير وسائل جوية ولوجستيكية ووحدات للتدخل السريع، بما مكن من منع تحول التجمعات إلى محاولة اقتحام جماعي للثغر المحتل.

وارتفع عدد المرشحين للهجرة غير النظامية الذين أوقفتهم القوات العمومية بمدينة الفنيدق وضواحيها إلى 294 شخصاً في حدود الساعة الثانية و45 دقيقة بعد الزوال، بينهم 248 مرشحاً للهجرة من دول إفريقيا جنوب الصحراء و46 مواطناً مغربياً، بعدما كانت الحصيلة في حدود الساعة الواحدة بعد الزوال 148 موقوفاً، بينهم 128 من دول إفريقيا جنوب الصحراء و20 مغربياً. وكانت الحصيلة مؤقتة ومرشحة للارتفاع في ظل استمرار عمليات التمشيط والمراقبة بالمنطقة، في وقت كثفت فيه مختلف القوات العمومية وجودها لمنع أي محاولة جماعية للعبور.

جحافل المهاجرين بين الجبال والغابات.. والمغرب يفرض طوقاً أمنياً

المشهد الذي سبق التدخلات الأمنية لم يكن عادياً؛ فقد تحركت مجموعات كبيرة من المرشحين للهجرة غير النظامية، أغلبهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في اتجاه المناطق القريبة من سبتة، بينما حاول بعضهم الاحتماء بالجبال والغابات والمسالك الوعرة المحيطة بالثغر المحتل. وكانت هذه المناطق بمثابة نقاط تجمع وانتظار قبل محاولة الوصول إلى السياج الحدودي، وهو ما فرض على القوات المغربية توسيع مجال تدخلها وعدم الاكتفاء بتأمين النقاط الحدودية المباشرة.

وتعاملت الأجهزة الأمنية مع الوضع بمنطق الاستباق، حيث جرى نشر وحدات مختلفة من القوات العمومية والمصالح الأمنية، مع الاستعانة بالمروحيات والوسائل الجوية ووسائل المراقبة والمركبات المخصصة للتدخل السريع، إلى جانب عمليات تمشيط واسعة للمسالك والمناطق الغابوية. والهدف لم يكن فقط توقيف الأشخاص الموجودين في الميدان، وإنما منع تشكل كتلة بشرية قادرة على الوصول دفعة واحدة إلى السياج الحدودي.

15 غشت.. موعد جرى الترويج له على شبكات التواصل وانتهى بالفشل

تكمن أهمية ما حدث في أن يوم 15 غشت لم يكن موعداً مجهولاً بالنسبة إلى السلطات. فقد جرى خلال الأيام التي سبقت هذا التاريخ تداول دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي تحث على محاولة جماعية جديدة للوصول إلى سبتة،وهي دعوات تورطت فيها دول أخرى، في محاولة واضحة لإعادة إنتاج مشهد الهجوم الذي عرفته المنطقة في وقت سابق. وقد تابعت السلطات هذه الدعوات وتعاملت معها باعتبارها مؤشراً أمنياً يستوجب الاستعداد، وهو ما انعكس في الانتشار الكبير للقوات العمومية قبل وصول التجمعات إلى النقاط الحساسة.

وبذلك تحول 15 غشت إلى امتحان حقيقي لقدرة المغرب على استيعاب دروس الأحداث السابقة، فبدلاً من انتظار وصول أعداد كبيرة إلى الحدود، جرى التعامل مع التحركات في مراحلها الأولى، وتم قطع المسالك أمام مجموعات المرشحين للهجرة، وتفكيك التجمعات قبل تحولها إلى عملية اقتحام واسعة. وهذا ما يفسر الفرق بين طبيعة التحرك الذي كان متوقعاً وبين ما وقع فعلياً على الأرض، حيث لم يتكرر السيناريو الجماعي الذي كانت بعض الدعوات الرقمية تراهن على إنتاجه.

من مفاجأة يوليوز إلى الاستباق الأمني في غشت

ما جرى في 15 غشت لا يمكن فصله عن أحداث نهاية يوليوز، عندما عرفت المنطقة تحركات واسعة لمرشحين للهجرة غير النظامية، في سياق تعبئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وأصبح واضحاً أن الحدود الشمالية للمغرب تواجه نوعاً جديداً من الضغط لا يعتمد فقط على شبكات الهجرة التقليدية، وإنما يستفيد أيضاً من سرعة انتشار المعلومات والدعوات الرقمية.

هذه التجربة جعلت السلطات أمام ضرورة تغيير طريقة التعامل مع الخطر، وهو ما ظهر خلال الاستعدادات ليوم 15 غشت. فالمعركة لم تعد فقط مع أشخاص يصلون إلى السياج، وإنما مع تجمعات يمكن أن تتشكل خلال ساعات في مناطق جبلية وغابوية، ومع حملات رقمية يمكن أن تدفع أعداداً كبيرة إلى التحرك في وقت واحد. لذلك أصبح الاستباق جزءاً أساسياً من المقاربة الأمنية، وأصبح رصد التحركات وتطويق المسالك والتدخل قبل الوصول إلى الحدود هو العنصر الحاسم.

المغرب لم يعد ينتظر الخطر عند الباب

الدولة القوية ليست فقط التي تستطيع التعامل مع الأزمة عندما تقع، وإنما التي تستطيع توقعها ومنعها قبل أن تصل إلى مرحلة يصعب التحكم فيها. وهذا بالضبط ما أظهرته عملية الفنيدق، حيث لم تنتظر الأجهزة المغربية وصول المجموعات إلى السياج الحدودي حتى تبدأ التدخل، بل تحركت داخل المجال الجغرافي الذي يمكن أن يتحول إلى نقطة تجمع وانطلاق.

والقوة التي ظهرت في الميدان لم تكن مرتبطة فقط بالانتشار البشري، وإنما بتكامل وسائل المراقبة والتدخل والتمشيط، بما في ذلك الوسائل الجوية والمركبات والوحدات المتخصصة. ولذلك فإن إحباط محاولة 15 غشت يقدم صورة عن تطور طريقة إدارة الحدود المغربية، من مجرد رد فعل على محاولة العبور إلى منظومة استباقية تعمل على منع الخطر قبل وصوله إلى النقطة الحساسة.

المغرب يتعاون مع أوروبا.. لكنه لا يحرس حدودها بالوكالة

ومن الأخطاء التي يجب تجنبها في قراءة هذا الملف تقديم المغرب باعتباره مجرد طرف مكلف بحراسة الحدود الأوروبية. المملكة تتعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي في قضايا الهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، لكن هذا التعاون لا يلغي حقيقة أن ما يجري في الفنيدق يتعلق أولاً بأمن الأراضي المغربية وسيادتها.

المغرب لا يمنع الهجرة الجماعية فقط لأن إسبانيا تريد ذلك، وإنما لأن الدولة المغربية نفسها معنية بمنع الفوضى على حدودها وحماية سكان المنطقة وتأمين المجال الترابي. وعندما تتعامل المملكة مع محاولات اقتحام سبتة، فإنها تتعامل معها باعتبارها تحدياً أمنياً وسيادياً داخل مجالها، قبل أن تكون جزءاً من معادلة التعاون المغربي الأوروبي.

وهنا يظهر الفرق بين الشراكة والتبعية؛ فالشراكة تقوم على المصالح المتبادلة، أما التبعية فتقوم على تنفيذ إرادة طرف آخر. والمغرب الذي اختار خلال السنوات الأخيرة تنويع علاقاته وشراكاته لا يتحرك وفق هذا المنطق القديم.

عهد الحماية انتهى.. والمغرب تغير جذرياً

لقد انتهى عهد الحماية منذ عقود، وأصبح الاستقلال المغربي حقيقة تاريخية راسخة، لكن قيمة الاستقلال لا تقاس فقط بتاريخ توقيع وثائقه، وإنما بقدرة الدولة على امتلاك أدوات قرارها وحماية مصالحها. والمغرب الذي ظهر في الفنيدق وهو يحرك مختلف قواته ووسائله لمنع محاولة جماعية للهجرة يعكس جانباً من هذه القدرة.

لقد تغيرت الدولة المغربية كثيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبح لديها اقتصاد أكثر تنوعاً، وبنية تحتية أكثر تطوراً، ومؤسسات أمنية ذات خبرة، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية، وحضور اقتصادي ودبلوماسي متنام في إفريقيا، وشراكات استراتيجية مع قوى دولية مختلفة. ولم يعد المغرب مضطراً إلى التعامل مع العالم من موقع الدولة التي تنتظر ما سيقرره الآخرون بشأنها.

الملك محمد السادس.. بناء أدوات القوة المغربية

هذا التحول لا يمكن فصله عن المسار الذي قاده الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش، حيث شهد المغرب ورشاً متواصلاً لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية وتطوير الصناعة وتعزيز الجاذبية الاستثمارية والانفتاح على إفريقيا وتحديث منظومات الأمن والدبلوماسية.

ميناء طنجة المتوسط، شبكة الطرق السيارة، تطوير السكك الحديدية، القطار فائق السرعة، صناعة السيارات والطيران، الطاقات المتجددة، مشاريع تحلية مياه البحر، الاستثمارات الإفريقية، وتطوير البنية السياحية واللوجستيكية، كلها شكلت تدريجياً شبكة من عناصر القوة جعلت المغرب أكثر قدرة على الحركة والمناورة في محيطه.

وفي يوليوز الماضي، أكد البنك الدولي أن الاقتصاد المغربي سجل خلال 2025 نمواً بنسبة 4.9 في المائة، وهو أقوى معدل نمو خلال عقد، مدفوعاً بالاستثمارات العمومية والتحضير لكأس العالم 2030 وتحسن النشاط الفلاحي، مع توقع استمرار النمو خلال 2026.

القوة الاقتصادية أصبحت جزءاً من السيادة

الدولة لا تستطيع أن تكون مستقلة في قرارها السياسي والأمني إذا كانت ضعيفة اقتصادياً. ولذلك فإن التحول الاقتصادي الذي عرفه المغرب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تحسين لمؤشرات النمو، وإنما باعتباره جزءاً من بناء القدرة الوطنية.

فالموانئ تمنح المغرب موقعاً في التجارة العالمية، والصناعة تمنحه قيمة مضافة وفرصاً استثمارية، والطاقة المتجددة تقلل من التبعية، والاستثمارات الإفريقية توسع مجال الحركة الاقتصادية، فيما تتيح البنية التحتية الحديثة للمملكة ربط أسواقها وموانئها ومناطقها الصناعية بمحيطها الدولي.

ومن هنا يمكن فهم أحد أهم أوجه التحول خلال عهد الملك محمد السادس: بناء القوة الاقتصادية بالتوازي مع القوة الدبلوماسية والأمنية.

الصحراء.. الدبلوماسية المغربية تدخل مرحلة جديدة

يظهر التحول في موقع المغرب كذلك في قضية الصحراء المغربية، حيث شهد الملف خلال السنوات الأخيرة دينامية دبلوماسية متصاعدة، مع اتساع دائرة الدول التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً واقعياً للحل السياسي.

فرنسا وألمانيا وبريطانيا، إلى جانب دول أخرى، جددت مواقف داعمة للمبادرة المغربية بدرجات مختلفة، بينما أصبحت الاستثمارات والمشاريع الكبرى في الأقاليم الجنوبية جزءاً من تصور أوسع يربط تثبيت السيادة بالتنمية والاندماج الاقتصادي.

وهنا تتجسد فلسفة مختلفة في ممارسة السياسة الخارجية؛ فالمغرب لا يكتفي بالدفاع عن موقفه في المحافل الدولية، وإنما يحاول بناء واقع اقتصادي وتنموي ودبلوماسي يدعم هذا الموقف ويعزز ارتباط الأقاليم الجنوبية بالمملكة.

إفريقيا.. المغرب الذي خرج من منطق الجوار إلى منطق التأثير

العودة إلى الاتحاد الإفريقي، ثم توسيع الاستثمارات والشراكات الاقتصادية في القارة، شكلت بدورها تحولاً مهماً في السياسة المغربية. الأبناك والاتصالات والتأمين والصناعة والاستثمارات والبنيات التحتية جعلت المغرب حاضراً في عدد من الأسواق الإفريقية، بينما عززت المشاريع الأطلسية الطموح إلى ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي عبر المملكة.

وبذلك لم يعد المغرب يتعامل مع إفريقيا باعتبارها مجالاً بعيداً أو مجرد امتداد جغرافي، وإنما باعتبارها عمقاً استراتيجياً واقتصادياً. وهذا الحضور يمنح المملكة هامش حركة أكبر في سياستها الخارجية، ويقلل من إمكانية وضعها داخل محور واحد أو اختزال علاقاتها الدولية في اتجاه واحد.

2030.. المغرب يستعد لاستقبال العالم

التحضير لكأس العالم 2030 يقدم بدوره صورة عن المغرب الذي أصبح يمتلك طموحاً يتجاوز الحدود الوطنية. فالمملكة لا تستعد لاستضافة مباريات فقط، وإنما تسرع تطوير المطارات والسكك والطرق والملاعب والبنيات السياحية والخدماتية.

وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاستثمارات المرتبطة بالنقل والسياحة والبنية التحتية خلال الفترة الممتدة إلى 2030 تشكل برنامجاً واسعاً يهدف إلى رفع قدرة المغرب على استيعاب تدفقات السياح والمستثمرين وتعزيز شبكات الربط.

وبالتالي، فإن مونديال 2030 يمثل بالنسبة إلى المغرب فرصة لتسريع مسار كان قد بدأ قبل سنوات، وليس بداية لهذا المسار.

قوة الدولة لا تعني تجاهل أسباب الهجرة

ومع ذلك، فإن النجاح الأمني في الفنيدق لا يعني أن ملف الهجرة انتهى. فالمهاجرون القادمون من دول إفريقيا جنوب الصحراء يحملون في كثير من الحالات دوافع مرتبطة بالفقر والبطالة وعدم الاستقرار والرغبة في الوصول إلى أوروبا، كما أن ظاهرة الهجرة غير النظامية نفسها لها أسباب إقليمية ودولية معقدة.

لكن معالجة هذه الأسباب شيء، والسماح بمحاولات اقتحام جماعية للحدود شيء آخر. ومن حق الدولة، بل من واجبها، حماية حدودها ومنع الفوضى، بالتوازي مع اعتماد مقاربات إنسانية وقانونية لمعالجة أوضاع المهاجرين، والعمل مع الدول الإفريقية والأوروبية على الأسباب العميقة للهجرة.

المغرب القوي لا يعني المغرب المنعزل

القوة التي راكمها المغرب خلال عهد الملك محمد السادس لم تدفعه إلى الانغلاق، بل إلى مزيد من الانفتاح ولكن من موقع أكثر توازناً. المملكة تحافظ على علاقاتها التاريخية مع أوروبا، وتعزز شراكاتها مع إفريقيا، وتطور علاقاتها مع الخليج وآسيا والولايات المتحدة، وتعمل على توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي.

وهذا هو جوهر التحول: المغرب لا يرفض التعاون، لكنه يرفض أن تتحول الشراكة إلى وصاية؛ ولا يرفض الانفتاح، لكنه لا يقبل أن يكون الانفتاح على حساب القرار الوطني؛ ولا يرفض التنسيق الأمني، لكنه لا يتعامل مع أمن حدوده باعتباره خدمة تقدمها دولة ضعيفة لدول أقوى.

الفنيدق.. صورة مصغرة عن مغرب جديد

لهذا فإن أحداث 15 غشت تستحق أن تقرأ خارج حدودها الجغرافية. فالجبال والغابات التي احتمى بها المرشحون للهجرة، والمروحيات التي حلقت فوق المنطقة، والمركبات التي تحركت في المسالك، والقوات العمومية التي انتشرت على الأرض، والتوقيفات التي تجاوزت 294 شخصاً في حصيلة مؤقتة، كلها شكلت صورة مكثفة لدولة قررت أن تمنع محاولة إعادة إنتاج سيناريو سابق.

وإذا كانت شبكات التواصل الاجتماعي قد حددت موعداً جديداً، فإن الدولة كانت قد قرأت المشهد مسبقاً واستعدت له. وإذا كانت بعض المجموعات قد حاولت الوصول إلى سبتة، فإن القوات المغربية قطعت الطريق أمامها قبل أن يتحول التحرك إلى اقتحام جماعي.

وهنا تتجلى الرسالة الأوسع: المغرب الذي خرج من عهد الحماية منذ زمن بعيد لا يمكن أن يعود إلى منطق الوصاية، والمغرب الذي بنى مؤسساته واقتصاده وأمنه ودبلوماسيته خلال عقود لا يتصرف اليوم كدولة تنتظر من الآخرين تحديد ما يجب أن تفعله.

من مغرب الحماية إلى مغرب القرار

لقد انتهى زمن الحماية، وانتهت معه مرحلة كانت فيها الإرادة الأجنبية قادرة على فرض نفسها على القرار الوطني. أما المغرب اليوم، وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمائية والأمنية التي تواجهه، فقد أصبح يمتلك أدوات أكبر لحماية خياراته والدفاع عن مصالحه.

وهذا التحول هو أحد أبرز ملامح عهد الملك محمد السادس؛ بناء دولة أكثر قوة في الداخل، وأكثر حضوراً في الخارج، وأكثر قدرة على حماية حدودها، وتنويع شراكاتها، والدفاع عن وحدتها الترابية، واستثمار موقعها الجغرافي، والتحرك داخل إفريقيا وأوروبا والعالم من موقع الدولة ذات المصالح والقرار.

وما جرى في الفنيدق يوم 15 غشت لم يكن مجرد عملية أمنية ناجحة لإحباط محاولة جديدة للهجرة الجماعية نحو سبتة، بل كان اختباراً عملياً لقدرة الدولة على الاستباق والحماية والتنسيق واتخاذ القرار. وفي مواجهة موجة تعبئة رقمية ومجموعات كبيرة حاولت الاحتماء بالجبال والغابات، أظهر المغرب أن حدوده ليست فضاءً مفتوحاً للفوضى، وأن التعاون مع أوروبا لا يعني التبعية لها، وأن الشراكة لا تلغي السيادة.

ذلك هو المغرب الذي تشكل خلال عهد الملك محمد السادس: دولة منفتحة على العالم، لكنها متمسكة بقرارها؛ متعاونة مع شركائها، لكنها لا تقبل الوصاية؛ وقادرة على الدفاع عن حدودها ومصالحها وموقعها. أما عهد الحماية والتبعية والاستعمار، فقد ولى منذ زمن بعيد، وما يكتبه المغرب اليوم هو فصل جديد عنوانه السيادة والقرار والقوة والمسؤولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى