مراجعات ضريبية ثقيلة تطال شركات عقارية كبرى.. ضمنها شركة مدرجة في البورصة و يمتكلها ملياردير يسيطر على صفقات ضخمة

تتجه مصالح المراقبة والتحصيل التابعة للمديرية العامة للضرائب نحو تشديد قبضتها على عدد من المعاملات العقارية التي تثير شبهات بشأن التصريح الحقيقي بالأرباح والقيم المالية المتداولة، بعدما أطلقت مراجعات ضريبية موسعة همت شركات عقارية تنشط في عدد من المدن الكبرى، في خطوة تكشف عن توجه متزايد نحو إخضاع القطاع العقاري لمراقبة أكثر دقة وربط المعاملات المسجلة بالواقع المالي الفعلي.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن هذه المراجعات إلى أن ملفات 47 شركة عقارية أصبحت محل تدقيق، ضمنها شركة مدرجة في بورصة الدار البيضاء، بعد ظهور مؤشرات اعتبرتها مصالح المراقبة جديرة بالفحص، خصوصاً في ما يتعلق باقتناء أراضٍ وأوعية عقارية وإعادة تفويتها خلال فترات زمنية قصيرة وبقيم تفوق بشكل كبير أثمان الاقتناء.
ولا يتعلق الأمر بمجرد فروقات في الأسعار، وإنما بمسار من المعاملات دفع المصالح الجبائية إلى التساؤل حول طبيعة النشاط الحقيقي لبعض الشركات، وما إذا كانت عمليات اقتناء المخزون العقاري وإعادة بيعه تدخل فعلاً في إطار الاستثمار طويل الأمد، أم تحولت في بعض الحالات إلى نشاط مضارباتي يدر أرباحاً كبيرة خارج النشاط الأساسي المعلن.
أرباح عقارية ضخمة تحت مجهر الإدارة الجبائية
بدأت عمليات التدقيق من مقارنة دقيقة بين أثمان شراء العقارات والأوعية العقارية وبين القيم التي أعيد تفويتها بها، حيث أظهرت بعض الملفات فروقات مالية كبيرة لم تكن، وفق المعطيات المتوفرة، منسجمة مع التصريحات الجبائية المقدمة إلى الإدارة.
وتكتسي هذه المقارنة أهمية خاصة في تحديد الأرباح الحقيقية الخاضعة للضريبة، خصوصاً عندما يتم شراء عقار أو أرض ثم إعادة بيعها بعد فترة وجيزة بثمن أعلى بكثير.
فالفارق بين القيمة الأصلية وقيمة التفويت يمكن أن يكشف عن أرباح مهمة، لكن احتساب الضريبة يتطلب التحقق من طبيعة العملية ومختلف عناصرها وتكاليفها والوثائق التي تثبتها، وهو ما جعل مصالح الضرائب توسع نطاق المراقبة في عدد من الملفات.
وتشير المعطيات إلى أن عمليات الفحص لم تقتصر على الوثائق المقدمة من الشركات، بل شملت مطابقة التصريحات مع قواعد البيانات والمعطيات المتوفرة لدى الإدارة، بما في ذلك حركة اقتناء العقارات وتفويتها وتسلسل العمليات وتواريخها وقيمها.
47 شركة في دائرة التدقيق
وبحسب المعطيات المتداولة، شملت الإشعارات الجديدة بالمراجعة الضريبية ملفات 47 شركة عقارية تنشط بين الدار البيضاء والرباط والقنيطرة والجديدة ومراكش.
وقد سبقت هذه الإشعارات عمليات مراقبة ميدانية بمقرات عدد من الشركات، حيث جرى فحص العقود والوثائق المحاسبية وكشوفات الأداء والتصريحات الجبائية، إلى جانب مقارنة المعطيات المقدمة للإدارة بما هو متوفر لديها من معلومات.
وتعكس طبيعة هذه العملية اتجاهاً نحو الانتقال من المراقبة التقليدية القائمة على فحص الوثائق بشكل منفصل إلى مراقبة تعتمد على تقاطع البيانات وتحليل حركة المعاملات، بما يسمح بالكشف عن الفوارق التي قد لا تظهر عند قراءة كل وثيقة بمفردها.
“النوار”.. أموال خارج العقود في صلب التحقيقات
ومن أخطر الملفات التي دخلت دائرة التدقيق، وفق المعطيات المتوفرة، المبالغ الإضافية التي قد يتم تحصيلها خارج عقود البيع القانونية، والمعروفة في التداول باسم “النوار”.
وتشير المعطيات إلى أن مصالح المراقبة دققت في بعض عمليات بيع مشاريع عقارية، للتحقق مما إذا كانت هناك مبالغ إضافية تم تحصيلها من المشترين خارج القيمة المصرح بها في عقود التفويت، وما إذا كانت هذه المبالغ أدرجت ضمن المداخيل الخاضعة للضريبة.
وفي حال ثبوت عدم التصريح بمداخيل أو مبالغ مرتبطة بالبيع، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد خطأ محاسبي، وإنما يمكن أن تكون له انعكاسات جبائية وقانونية مهمة، بحسب طبيعة الوقائع وما ستسفر عنه المساطر المعتمدة.
ولهذا تركز المراقبة على مقارنة الثمن المعلن في العقود مع مختلف التدفقات المالية والوثائق المرتبطة بالعملية، بما في ذلك الفواتير والأداءات والمصاريف والعمولات.
تضخيم النفقات.. الوجه الآخر للمراجعات
ولم تتوقف عمليات التدقيق عند الإيرادات والأرباح، بل امتدت إلى جانب النفقات، بعدما ظهرت شبهات حول إمكانية استعمال فواتير أو خدمات لا تعكس، بحسب المعطيات، حجم الأعمال الحقيقي أو طبيعة المصاريف المرتبطة بالمشاريع.
وتبحث مصالح المراقبة، في هذا الإطار، في مدى واقعية التكاليف المسجلة، وما إذا كانت مرتبطة فعلياً بالنشاط العقاري والمشاريع موضوع المراجعة، أم أنها استعملت لتضخيم النفقات وتقليص الأرباح الصافية المصرح بها.
فالرفع المصطنع للتكاليف يؤدي حسابياً إلى خفض النتيجة الصافية، وبالتالي تقليص الوعاء الذي تحتسب عليه الضرائب، وهو ما يجعل فحص الوثائق المثبتة للمصاريف جزءاً أساسياً من عمليات المراقبة.
وتشمل العملية فحص الفواتير والخدمات والمعاملات المحاسبية، مع التحقق من حقيقة العمليات ومن الجهات التي قدمت الخدمات، ومدى وجود علاقة فعلية بينها وبين المشاريع موضوع التدقيق.
الوسطاء وشركات التسويق تحت التدقيق
وامتدت عمليات الافتحاص كذلك إلى العمولات والأتعاب التي تؤديها شركات عقارية لفائدة شركات تسويق ووسطاء عقاريين، حيث يتم التدقيق في طبيعة الخدمات المقدمة وقيمتها ومدى مطابقتها للمعاملات المصرح بها.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة في القطاع العقاري، الذي يعتمد في عدد من معاملاته على الوسطاء وشركات التسويق، إذ يتعين أن تكون المصاريف والعمولات المسجلة مدعومة بوثائق صحيحة وأن تعكس خدمات فعلية ومرتبطة بالنشاط.
وتتجه المراقبة، وفق المعطيات المتداولة، إلى مطابقة هذه العمليات مع التصريحات الموازية المتوفرة لدى الإدارة الجبائية، بما يسمح باكتشاف الفوارق المحتملة بين ما تصرح به الشركة وما تصرح به الأطراف الأخرى المرتبطة بالمعاملة.
قواعد البيانات.. الضرائب تنتقل إلى المراقبة الذكية
وتبرز في هذه المراجعات أهمية اعتماد الإدارة الجبائية على قواعد بيانات متعددة، تسمح بمقارنة المعلومات العقارية والمحاسبية والجبائية وربطها بالتسلسل الزمني للمعاملات.
فإعادة بيع وعاء عقاري بعد فترة قصيرة من اقتنائه، وبقيمة أعلى بكثير، تصبح معطى يستحق التدقيق عندما تتكرر العمليات أو تتعارض مع طبيعة النشاط المصرح به.
وتتيح عملية تحليل التسلسل الزمني تحديد الأنماط المتكررة في المعاملات، وربط عمليات الشراء بعمليات البيع، ثم مقارنة القيم المصرح بها مع البيانات المتوفرة لدى الإدارة.
وهذه المقاربة تعكس تحولاً مهماً في عمل الإدارة الجبائية، التي أصبحت تعتمد بصورة أكبر على تقاطع البيانات وتحليل المخاطر بدل الاقتصار على المراقبة العشوائية.
ليست ضريبة واحدة تحت المجهر
ومن اللافت أن المراجعات لا تركز فقط على الضريبة على الأرباح العقارية، وإنما تمتد إلى عدد من الضرائب والرسوم المرتبطة بالمعاملات التي أنجزتها الشركات المعنية.
ويشمل ذلك التدقيق في طريقة احتساب الضرائب والرسوم، والوثائق المثبتة للتكاليف، وطبيعة العقود والعمولات والأتعاب، ومدى انسجام مختلف التصريحات مع البيانات المتوفرة لدى الإدارة.
وتعني هذه المقاربة أن الشركة التي تدخل دائرة المراجعة قد تواجه فحصاً شاملاً لمجموعة من العمليات، وليس مجرد مراجعة رقم واحد أو تصريح واحد.
القطاع العقاري أمام مرحلة جديدة من الرقابة
وتأتي هذه المراجعات في سياق أوسع يعرف خلاله القطاع العقاري المغربي تحولاً تدريجياً في طبيعة الرقابة الجبائية، مع اعتماد أكبر على الرقمنة وتحليل البيانات وتبادل المعلومات بين الإدارات والمؤسسات المعنية.
والهدف من هذا النوع من المراقبة لا ينبغي اختزاله في استخلاص مبالغ إضافية، بل يرتبط أيضاً بتحقيق العدالة الجبائية وضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.
فالشركة التي تؤدي ما عليها من ضرائب وفق القانون تجد نفسها في وضع غير متكافئ إذا تمكن منافس من تخفيض التزاماته عبر إخفاء جزء من مداخيله أو تضخيم مصاريفه.
ومن هذه الزاوية، فإن تشديد المراقبة على المعاملات العقارية يمكن أن يشكل رسالة واضحة للسوق مفادها أن الأرباح الناتجة عن النشاط الاقتصادي يجب أن تكون قابلة للتتبع والتوثيق والتصريح.
المراجعة ليست إدانة.. والنتائج تحسمها المساطر
وفي انتظار انتهاء عمليات المراجعة وما قد يترتب عنها من تصحيحات أو تسويات أو إجراءات أخرى وفقاً للقانون، يبقى من المهم التأكيد أن إخضاع شركة للمراقبة الضريبية لا يعني تلقائياً ثبوت ارتكابها مخالفة.
فالافتحاص هو آلية قانونية للتأكد من صحة التصريحات ومدى مطابقتها للمعاملات الفعلية، وقد تنتهي المراجعة إلى تعديلات ضريبية أو إلى عدم ثبوت بعض المؤاخذات، بحسب كل ملف والوثائق والدفوع المقدمة.
لكن اتساع نطاق العملية لتشمل عشرات الشركات، وتعدد المدن والعمليات محل الفحص، يعكس بوضوح تشدد الإدارة في التعامل مع المخاطر المرتبطة بالقطاع العقاري.
وفي المحصلة، تبدو 47 شركة عقارية أمام اختبار جبائي دقيق، عنوانه مطابقة الأرقام بالواقع، والعقود بالتدفقات المالية، والمصاريف بالخدمات الفعلية، والتصريحات بحركة السوق.
وبين المضاربة المحتملة في الأوعية العقارية، والفوارق الكبيرة بين أثمان الاقتناء وإعادة البيع، والمبالغ الإضافية خارج العقود، وشبهات تضخيم النفقات والعمولات، تتحول المراقبة الجبائية إلى أداة لكشف حقيقة المعاملات العقارية، وإعادة ضبط العلاقة بين الأرباح المحققة والالتزامات الضريبية.
فالرسالة التي تحملها هذه المراجعات تبدو واضحة: القطاع العقاري لم يعد مجالاً سهلاً لإخفاء الفوارق بين ما يقع فعلياً وما يتم التصريح به، وكلما تطورت أدوات الإدارة في تقاطع البيانات وتحليل المعاملات، تقلصت المساحات التي يمكن أن تختبئ فيها الأرباح غير المصرح بها.






