مجتمع

تعديل جديد في الدعم الاجتماعي المباشر يثير أسئلة حول حصيلة الحكومة.. هل أصبح إصلاح الأخطاء المتراكمة عنوان المرحلة؟

في خطوة تعكس استمرار مراجعة منظومة الدعم الاجتماعي المباشر، صادق مجلس الحكومة، الأربعاء، على مشروع مرسوم جديد يهم نظام الدعم الاجتماعي، يقضي بحصر مدة الاستفادة من المنحة الاستثنائية في اثني عشر شهرا، مع إلغاء شرط الانتظار لمدة سنة كاملة لاستعادة الحق في الدعم بالنسبة للأشخاص الذين يفقدون مناصب شغلهم.

ويأتي هذا التعديل بعد أشهر من بدء تنزيل ورش الدعم الاجتماعي المباشر، الذي قدمته الحكومة باعتباره أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية، غير أن الواقع العملي أفرز تحديات دفعت السلطة التنفيذية إلى إدخال تعديلات جديدة على النصوص التنظيمية، في محاولة لمعالجة اختلالات ظهرت خلال مرحلة التطبيق.

وتؤكد الحكومة أن الهدف من هذه المراجعة هو تشجيع المستفيدين على الاندماج في سوق الشغل، بعدما تبين أن بعض الحالات كانت تتردد في قبول فرص العمل خوفا من فقدان الدعم، أو تفضل العمل في القطاع غير المهيكل دون التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حفاظا على الاستفادة من المنحة الشهرية.

غير أن هذه التبريرات تفتح، في المقابل، باب التساؤلات حول مدى دقة التصور الذي رافق إطلاق هذا الورش منذ البداية، ومدى استحضار مختلف السيناريوهات الاقتصادية والاجتماعية قبل دخوله حيز التنفيذ. فحين تضطر الحكومة إلى تعديل قواعد الاستفادة بعد فترة وجيزة من التطبيق، فإن ذلك يعكس، في نظر عدد من المتابعين، أن بعض الجوانب لم تكن قد نضجت بالشكل الكافي عند إطلاق البرنامج.

كما يعيد هذا التعديل النقاش إلى أصل الإشكال، وهو ضعف خلق فرص الشغل المستدامة. فالتحدي، بحسب عدد من الخبراء، لا يكمن فقط في كيفية توزيع الدعم، وإنما في قدرة الاقتصاد الوطني على توفير وظائف مستقرة تُمكّن الأسر من الاستغناء تدريجيا عن المساعدات الاجتماعية، وتحقيق استقلالها الاقتصادي.

وتشير المعطيات الرسمية خلال السنوات الأخيرة إلى أن البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، ما تزال تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، في وقت تؤكد فيه تقارير وطنية ودولية أن سوق الشغل يحتاج إلى إصلاحات هيكلية، وتحفيز أكبر للاستثمار المنتج، ودعم المقاولات القادرة على خلق مناصب شغل دائمة.

ويرى متابعون أن برامج الدعم الاجتماعي، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تتحول إلى بديل عن السياسات الاقتصادية المولدة للثروة وفرص العمل، لأن الدعم يظل آلية للحماية الاجتماعية، بينما يبقى التشغيل المستدام هو المدخل الحقيقي لتحسين مستوى العيش وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

كما يثير توالي التعديلات على عدد من البرامج الحكومية تساؤلات حول منهجية إعداد السياسات العمومية، ومدى إخضاعها لدراسات أثر شاملة قبل إطلاقها، بما يحد من الحاجة إلى مراجعات متكررة بعد بدء التنفيذ.

وفي المقابل، يعتبر مختصون أن مراجعة النصوص التنظيمية عند ظهور صعوبات في التطبيق تبقى أمرا طبيعيا في تدبير السياسات العمومية، شريطة أن تستند إلى تقييم موضوعي وشفاف، وأن تصاحبها مؤشرات واضحة لقياس الأثر على الفئات المستفيدة.

ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو الانتقال من منطق تدبير آثار البطالة إلى معالجة أسبابها، عبر تسريع وتيرة الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، ودعم المقاولات، وتطوير التكوين وربطه بحاجيات سوق الشغل، حتى يصبح الدعم الاجتماعي رافعة مؤقتة للحماية، لا بديلا دائما عن فرصة عمل تحفظ للمواطن كرامته وتضمن له دخلا مستقرا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى