مجتمع

زيادات جديدة في أسعار مشتقات شركة “دانون” تعيد شبح المقاطعة إلى الواجهة وتفتح نقاشاً واسعاً حول القدرة الشرائية

عادت دعوات مقاطعة بعض العلامات التجارية العاملة “دانون” في قطاع الحليب إلى الواجهة، عقب دخول زيادات جديدة على أسعار عدد من مشتقات الحليب حيز التنفيذ، في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل وسط المستهلكين، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية للأسر المغربية.

وبدأت نقاط البيع والمحلات التجارية خلال الأيام الأخيرة اعتماد تسعيرة جديدة شملت مجموعة من المنتجات واسعة الاستهلاك، حيث تراوحت قيمة الزيادات بين خمسين سنتيماً ودرهم واحد، وفق نوع المنتج وحجمه، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار البيع للعموم.

وشملت الزيادات عدداً من مشتقات الحليب الأكثر إقبالاً، من بينها المشروبات اللبنية، والياغورت، والمنتجات الموجهة للأطفال، الأمر الذي أثار استياء شريحة واسعة من المستهلكين، خصوصاً أن هذه المنتجات تعد من المواد الأساسية التي تحضر بشكل يومي على موائد العديد من الأسر.

ومع الإعلان عن الأسعار الجديدة، سرعان ما عادت منصات التواصل الاجتماعي لتشهد تداول دعوات واسعة إلى مقاطعة المنتجات، عبر وسوم وشعارات تستحضر حملة المقاطعة الشهيرة التي عرفها المغرب سنة 2018، والتي شكلت آنذاك محطة فارقة في علاقة المستهلك المغربي بالشركات الكبرى، بعدما نجح الرأي العام في فرض مراجعة عدد من السياسات التجارية والأسعار.

ويرى متابعون أن عودة هذه الدعوات تعكس استمرار حساسية المستهلك المغربي تجاه أي زيادات تمس المواد الغذائية الأساسية، خاصة في ظرفية اقتصادية تتسم بارتفاع أسعار عدد من المنتجات والخدمات، وتزايد الأعباء اليومية على الأسر.

ويأتي هذا الجدل في وقت يعرف فيه قطاع الحليب تحولات متسارعة، سواء على مستوى تكاليف الإنتاج أو سلاسل التوزيع أو المنافسة داخل السوق، غير أن المستهلك يبقى الحلقة الأكثر تأثراً بأي مراجعة للأسعار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتجات ذات استهلاك يومي.

ويؤكد مهتمون بقضايا الاستهلاك أن تكرار الزيادات في أسعار المواد الغذائية أصبح يفرض ضرورة تعزيز الشفافية في التواصل مع المواطنين، من خلال توضيح أسباب أي مراجعة للأسعار، حتى يتمكن المستهلك من فهم العوامل التي تقف وراءها، سواء كانت مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج أو النقل أو المواد الأولية أو غيرها من المتغيرات الاقتصادية.

وفي المقابل، يعتبر مدافعون عن حقوق المستهلك أن المقاطعة تظل وسيلة سلمية ومشروعة للتعبير عن رفض أي زيادات يرى المواطن أنها غير مبررة أو لا تتناسب مع قدرته الشرائية، مؤكدين أن السوق يبقى في نهاية المطاف محكوماً بعرض المنتجات والطلب عليها، وأن قرار الشراء يظل بيد المستهلك.

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش حول ضرورة تعزيز المنافسة داخل سوق الحليب ومشتقاته، وتشجيع تنوع العرض، بما يتيح للمستهلك خيارات أوسع وأسعاراً أكثر تنافسية، ويساهم في الحد من هيمنة عدد محدود من الفاعلين على السوق.

ويأتي ذلك في سياق اقتصادي لا تزال فيه الأسر المغربية تواجه تحديات متواصلة نتيجة ارتفاع أسعار العديد من المواد الأساسية والخدمات، الأمر الذي جعل أي زيادة جديدة في المنتجات الغذائية تحظى باهتمام واسع وتثير نقاشاً مجتمعياً حول مستقبل القدرة الشرائية.

كما يرى متابعون أن توقيت هذه الزيادات يتزامن مع فترة تعرف عادة ارتفاعاً في استهلاك مشتقات الحليب، خصوصاً خلال فصل الصيف، حيث يزداد الإقبال على المشروبات اللبنية والمنتجات المنعشة، وهو ما يضاعف من تأثير أي تعديل في الأسعار على ميزانية الأسر، خاصة تلك التي تضم أطفالاً.

وفي خضم هذا الجدل، تداول عدد من أصحاب المحلات التجارية مقاطع مصورة ووثائق تتعلق بلوائح الأسعار الجديدة، مؤكدين أن الزيادات مصدرها الموردون وليست ناتجة عن قرارات التجار، في محاولة لتوضيح الأمر للزبائن وتفادي تحميلهم مسؤولية ارتفاع الأثمان.

ويرى مراقبون أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مدى تأثير دعوات المقاطعة على السوق، وما إذا كانت ستتحول إلى حملة واسعة كما حدث قبل سنوات، أم أن الشركات المعنية ستتجه إلى مراجعة سياستها التسويقية أو تقديم توضيحات من شأنها احتواء حالة الجدل.

وفي جميع الأحوال، يؤكد هذا الملف أن القدرة الشرائية للمغاربة أصبحت اليوم عاملاً حاسماً في رسم ملامح السوق، وأن المستهلك بات أكثر وعياً وتأثيراً في توجيه الخيارات الاقتصادية، في وقت تتزايد فيه المطالب بإرساء توازن حقيقي بين حق الشركات في الاستثمار وتحقيق الأرباح، وحق المواطنين في الولوج إلى منتجات أساسية بأسعار تراعي أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى