سياسة

تشريعيات الجزائر.. هندسة برلمانية على مقاس “المرادية” وزيف الماكينة الدعائية أمام حقيقة الانكفاء الشعبي

لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة سوى حلقة جديدة من حلقات إعادة تدوير المشهد السياسي التقليدي، وتأكيداً على صياغة هندسة برلمانية مُعدة سلفاً داخل ردهات قصر المرادية. فخلف الستار، لم يسفر هذا الاستحقاق عن أي تغيير يذكر؛ بل أعاد إنتاج نفس ملامح الخارطة الحزبية الموالية للسلطة، مانحاً إياها أغلبية مريحة داخل المجلس الشعبي الوطني الجديد، بالموازاة مع تراجع حاد وممنهج لأحزاب المعارضة الإسلامية والقوائم الحرة التي أُفبغت مساحات تحركها.

زيف الماكينة الإعلامية وحقيقة “الأرقام العارية”

وراء الصورة المضخمة والبروباغندا الفجة التي روج لها الإعلام الرسمي—عبر بث مشاهد منتقاة بعناية لشباب يتوافدون على مكاتب التصويت في محاولة للإيحاء بوجود حركية انتخابية—جاءت الأرقام الرسمية لتصدم صناع القرار وتعري زيف الخطاب الدعائي المحيط بالعملية برمتها.

فقد كشفت المعطيات الميدانية عن تسجيل أضعف نسبة مشاركة في تاريخ الاستحقاقات النيابية بالبلاد؛ إذ هوت نسبة التصويت إلى 20.79% فقط. وبعملية حسابية بسيطة، لم يتجاوز عدد المصوتين الفعليين 4.9 ملايين ناخب من أصل كتلة ناخبة تقارب 24 مليون مسجل. هذا الانكفاء الشعبي الحاد يترجم هوة جافية من عدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وجاء هذا النفور التاريخي على الرغم من الدفع بـ 33 حزباً سياسياً وعودة قوى الكتلة الديمقراطية للمنافسة، في محاولة لإضفاء شرعية مفقودة على صناديق الاقتراع.

تبريرات واهية ومقارنات بائسة للالتفاف على المقاطعة

شهدت هذه المحطة حملة انتخابية فاترة وباهتة، حاولت ما تسمى بـ “السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات” تبريرها بمبررات واهية لا تصمد أمام التحليل السياسي الرصين؛ حيث أرجعت العزوف إلى “تزامن الاستحقاقات مع موجة حر شديدة وانشغال المواطنين بمتابعة بطولة كأس العالم لكرة القدم”. وهي دفوعات مثيرة للاستغراب والتهكم، تحجب بشكل مكشوف الدلالات السياسية العميقة للمقاطعة الشعبية الإرادية.

وفي محاولة بائسة للالتفاف على هذا الواقع المرير، سارع رئيس السلطة بالنيابة، كريم خلفان، إلى التخفيف من عمق الأزمة بادعائه أن “العزوف عن التصويت ليس خصوصية جزائرية”. وذهب خلفان بعيداً في محاولة شرعنة هذا النفور القياسي عبر مقارنته بما هو قائم في “الديمقراطيات العريقة” في أوروبا وأمريكا وآسيا؛ في مناورة مكشوفة للمبالغة في الإشادة بـ “شفافية” عملية انتخابية افتقدت للعمق الشعبي ولم تعد تقنع المواطن الجزائري.

الخارطة البرلمانية: إعادة توزيع المقاعد بين أقطاب الموالاة

أفرزت مطبخ النتائج الإبقاء على القوى التقليدية في الصدارة لضمان استمرارية النهج التدبيري الحالي:

  • حزب جبهة التحرير الوطني (FLN): حافظ على صدارة النتائج بنيله 90 مقعداً من أصل 407 مقاعد. ورغم بقائه القوة الأولى عددياً، إلا أنه واصل منزلق التراجع بفقدانه ثمانية مقاعد مقارنة بتشريعيات 2021، وبفارق شاسع وصادم عن واقعه السابق في عهدة 2017 حينما كان يهيمن على 164 مقعداً؛ مما يوضح تآكل رصيده الحزبي حتى في الاستحقاقات الموجهة.

  • التجمع الوطني الديمقراطي (RND): برز الشريك التقليدي والذراع الآخر للموالاة كأكبر الفائزين والمستفيدين في هذه المحطة؛ إثر رفعه لتمثيله البرلماني من 58 مقعداً سابقاً إلى 73 مقعداً حالياً، مستعيداً بذلك موقعه المتقدم كقوة ثانية داخل الغرفة الأولى ليكون صمام الأمان الجاهز لتمرير القرارات الحكومية.

 برلمان بلا امتداد شعبي

إن المشهد الختامي لتشريعيات الجزائر 2026 يكرس واقع التصلب السياسي؛ حيث أسفرت الصناديق عن توليد برلمان غريب عن انشغالات الشارع، وبنسبة مقاطعة تجاوزت الـ 79%. إن محاولات التغطية على هذا الشرخ السياسي بمبررات المناخ أو الرياضة، والمقارنات غير الموضوعية مع الأنظمة الديمقراطية، لا تغير من الحقيقة الثابتة شيئاً: السلطة أعادت إنتاج نفسها بأدواتها التقليدية، في مواجهة مجتمع اختار الغياب الواعي تعبيراً عن رفضه لـ”هندسة انتخابية” معلومة النتائج والمخرجات سلفاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى