رياضة

والي جهة فاس-مكناس خالد آيت الطالب يقود رؤية رياضية جديدة.. من اجتماع سعيد عويطة إلى مشروع صناعة الأبطال وإعادة فاس إلى واجهة الرياضة الوطنية

لم يكن الاجتماع الذي ترأسه، أمس الأربعاء، والي جهة فاس-مكناس عامل عمالة فاس، خالد آيت الطالب، بحضور البطل العالمي سعيد عويطة ورؤساء الهيئات المنتخبة وعدد من المسؤولين، مجرد لقاء إداري عادي، بل حمل في طياته ملامح مشروع استراتيجي يروم إعادة رسم الخريطة الرياضية بالعاصمة العلمية وجهة فاس-مكناس.

ووفق معطيات متطابقة، فقد خُصص الاجتماع لوضع اللمسات الأخيرة لتشكيل لجنة يشرف عليها البطل العالمي سعيد عويطة، تتولى الإعداد لإطلاق أكبر أكاديمية متخصصة في ألعاب القوى على الصعيد الوطني بمدينة فاس، في مبادرة تعد الأولى من نوعها من حيث الرؤية والأهداف، وتعكس توجها جديدا يقوم على الاستثمار في العنصر البشري، واكتشاف المواهب، وصناعة جيل جديد من الأبطال القادرين على تمثيل المغرب في المحافل القارية والدولية.

وتفيد المعطيات ذاتها بأن فكرة هذا المشروع جاءت بمبادرة من والي الجهة، الذي عقد سلسلة لقاءات مع سعيد عويطة وعدد من المسؤولين، خصصت لتدارس مختلف الجوانب التقنية واللوجستية، ورسم خارطة طريق واضحة لإخراج هذا الورش الرياضي الكبير إلى حيز التنفيذ، بما يجعله مركزا وطنيا للتكوين والتأهيل في رياضة ألعاب القوى.

غير أن أهمية هذا الاجتماع لا تكمن فقط في الإعلان عن مشروع جديد، وإنما في كونه يعكس فلسفة مختلفة في تدبير الشأن الرياضي بالجهة، تقوم على الانتقال من منطق التدبير اليومي إلى بناء مشروع تنموي متكامل يجعل الرياضة رافعة للتنمية والاستثمار في الإنسان.

وخلال أقل من سنة، برزت ملامح هذه المقاربة الجديدة من خلال سلسلة من الأوراش الرياضية التي أعادت الأمل إلى مختلف الفاعلين الرياضيين، ووضعت فاس مجددا في قلب المشهد الرياضي الوطني.

فقد استعادت المدينة بريقها عبر تتويج فريق المغرب الفاسي بلقب البطولة الاحترافية، وهو إنجاز أعاد أحد أعرق الأندية المغربية إلى منصة التتويج، كما عزز فريق المغرب الفاسي لكرة السلة هذا الحضور بإحراز لقب كأس العرش، في مؤشر على أن الرياضة الفاسية بدأت تستعيد تدريجيا مكانتها التاريخية.

ورغم أهمية هذه النتائج، فإنها ليست سوى جزء من رؤية أشمل، لأن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء بنية رياضية قادرة على ضمان الاستمرارية، وليس الاكتفاء بالنتائج الظرفية.

ولهذا، اتجه الاهتمام إلى تأهيل البنيات التحتية الرياضية، حيث يجري العمل على تطوير عدد من ملاعب المدينة، إلى جانب تأهيل قاعة 11 يناير، والإنتهاء من  مشروع تأهيل قاعة رياضية بحي أعوينات الحجاج الشعبي بمقاطعة سايس، بما يتيح توسيع قاعدة الممارسة الرياضية وتقريبها من مختلف الأحياء.

كما يندرج ضمن هذه الرؤية مشروع إعادة تأهيل ملعب “الحفرة”، الذي يحتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة الرياضية لساكنة فاس، ويحتضن خلال شهر رمضان من كل سنة مباريات كروية تحولت إلى تقليد رياضي واجتماعي يجمع آلاف المتابعين. ومن شأن تأهيل هذا الملعب وتجهيزه أن يحافظ على قيمته الرمزية، مع توفير فضاء حديث يليق بالشباب والممارسين.

ولا تقتصر هذه الدينامية على تأهيل المنشآت الرياضية القائمة، بل تمتد إلى إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، في مقدمتها انطلاق أشغال إنجاز القاعة المغطاة “أرينا” بطريق إيموزار، والتي تعد من أكبر المشاريع الرياضية التي تعرفها جهة فاس-مكناس خلال السنوات الأخيرة. ومن المرتقب أن تتسع هذه المنشأة الرياضية الحديثة لأكثر من ستة آلاف متفرج، وفق معايير تقنية دولية، بما يؤهلها لاحتضان التظاهرات الرياضية الوطنية والقارية والدولية، إلى جانب المنافسات الكبرى في مختلف الرياضات الجماعية والفردية، فضلا عن احتضان الملتقيات والتظاهرات الثقافية والفنية الكبرى. ويشكل هذا المشروع إضافة نوعية للبنية التحتية الرياضية بالعاصمة العلمية، كما يعكس توجها واضحا نحو توفير منشآت عصرية تستجيب لمتطلبات المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الدينامية الوطنية المرتبطة بالاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030.

غير أن المشروع الأكثر طموحا يبقى أكاديمية ألعاب القوى، بالنظر إلى ما تختزنه جهة فاس-مكناس من تاريخ عريق في هذه الرياضة.

ففاس لم تكن مجرد مدينة احتضنت منافسات رياضية، بل كانت مدرسة حقيقية لألعاب القوى، ومنها خرج عدد من العدائين الذين صنعوا أمجاد المغرب في المحافل الدولية، كما ظلت الجهة لعقود خزانا للمواهب التي حملت الراية الوطنية في البطولات العالمية والقارية.

ومن هذا المنطلق، فإن اختيار الأسطورة المغربية سعيد عويطة للإشراف على الجانب التقني والتكويني يمنح المشروع بعدا استراتيجيا، بالنظر إلى ما راكمه من خبرة وتجربة دولية، وقدرته على نقل المعرفة وصناعة جيل جديد من الأبطال وفق أحدث أساليب التكوين.

وتكتسب المبادرة بعدا إضافيا بالنظر إلى الرؤية التي تقوم على التكامل بين فاس وإفران، حيث توفر المرتفعات الطبيعية بإفران ظروفا مثالية للتداريب عالية المستوى، في حين توفر فاس البنية الحضرية والمؤسسات الرياضية، وهو ما يؤسس لقطب رياضي متكامل قادر على استقطاب العدائين المغاربة والأجانب، وخلق دينامية رياضية وسياحية واقتصادية جديدة.

كما أن جهة فاس-مكناس تزخر بطاقات شبابية هائلة لم تجد، خلال السنوات الماضية، البيئة المناسبة لصقل مواهبها. ومع توفير التأطير العلمي، والتكوين المستمر، والمواكبة التقنية، والدعم اللوجستيكي، فإن العديد من هؤلاء الشباب يمكن أن يصبحوا أبطالا يحملون العلم المغربي في كبريات المنافسات الدولية.

ولا تتوقف أهمية هذه الرؤية عند بعدها الرياضي فقط، بل تمتد إلى بعدها الاجتماعي، إذ تراهن على تقريب الرياضة من الأحياء الشعبية، وخلق فضاءات آمنة للأطفال والشباب، وتأطيرهم داخل أندية ومراكز تكوين، بما يساهم في الحد من مظاهر الانحراف والإدمان والهدر الاجتماعي، ويجعل الرياضة وسيلة فعالة للاندماج والتنمية وبناء الشخصية.

فالاستثمار في الملاعب والقاعات الرياضية ومراكز التكوين هو استثمار في الأمن الاجتماعي، وفي حماية الأجيال الصاعدة، وفي ترسيخ قيم الانضباط والعمل الجماعي والمواطنة.

غير أن نجاح هذا الورش الكبير يظل رهينا بانخراط جماعي لجميع المتدخلين، من مجالس منتخبة، وقطاعات حكومية، ومؤسسات عمومية، والجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى، إلى جانب القطاع الخاص والمجتمع المدني، حتى تتحول هذه المبادرة إلى مشروع مؤسساتي مستدام، يضمن الاستمرارية بعيدا عن منطق المبادرات الظرفية.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن صناعة الأبطال لا تبدأ من منصات التتويج، وإنما من مراكز التكوين، ومن الاستثمار في الأطفال والشباب، ومن توفير البنية التحتية والكفاءات والخبرة.

واليوم، تبدو جهة فاس-مكناس أمام فرصة تاريخية لإحياء مجدها الرياضي، واستعادة مكانتها كواحدة من أهم مدارس ألعاب القوى بالمغرب. وإذا كتب لهذا المشروع النجاح، فإنه لن يقتصر على تكوين عدائين جدد، بل سيؤسس لمرحلة جديدة تجعل من الرياضة رافعة للتنمية، ومصدرا للإشعاع الوطني والدولي، وتعيد إلى فاس مكانتها الطبيعية كمدينة للأبطال، وخزان للمواهب، وعاصمة رياضية تستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى