سياسة

تقرير تحليلي : المنتدى الجهوي الثاني للسياحة الاستشفائية بفاس.. بين رهانات التنمية وواقع البنيات التحتية وأزمة النقل الجوي وتحديات التأهيل قبل الاستحقاقات الدولية

انطلقت بمدينة فاس، أمس الأربعاء، أشغال المنتدى الجهوي الثاني للسياحة الاستشفائية، الذي تتواصل فعالياته إلى غاية 10 يوليوز 2026، بمشاركة مسؤولين وخبراء وباحثين وفاعلين في القطاع، لمناقشة سبل تطوير السياحة العلاجية والاستشفائية، واستثمار التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر، لتعزيز جاذبية هذا القطاع ورفع تنافسيته على المستويين الوطني والدولي،و هو الغلاف الذي تقدم به النسخة لكن واقع الحال يكشف زيف الشعارات و يتحدث عن واقع مرير تعيشه الجهة في مجال إنعاش قطاع السياحة بشكل عام.

غير أن تنظيم هذا المنتدى يعيد إلى الواجهة نقاشا مهنيا واسعا حول مدى قدرة السياسات العمومية والبرامج التي يشرف عليها مجلس جهة فاس-مكناس على ترجمة الشعارات والتوصيات إلى مشاريع ميدانية ملموسة، في ظل استمرار اختلالات بنيوية تؤثر بشكل مباشر على تنافسية الجهة السياحية وقدرتها على استقطاب الزوار والاستثمارات.

فبين الخطاب الاستراتيجي الذي يروج لتنمية السياحة العلاجية، والواقع الذي تعيشه مختلف الحامات والمرافق السياحية، تبدو الفجوة كبيرة، الأمر الذي يفرض قراءة موضوعية لواقع القطاع بعيدا عن المقاربات الاحتفالية أو الاكتفاء بتنظيم المنتديات والندوات.

منطق المنتديات في مواجهة متطلبات التنمية

يواجه مجلس جهة فاس-مكناس انتقادات متزايدة بسبب ما يعتبره عدد من المتتبعين تركيزا على تنظيم الملتقيات والمنتديات وتوقيع الاتفاقيات وإعداد الدراسات، مقابل ضعف انعكاس هذه المبادرات على التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل الجهة.

فالميزانيات التي تخصص للجوانب التنظيمية والبروتوكولية واللوجستيكية، بما فيها الإقامات الفندقية والورشات واللقاءات والعلاقات العامة، تثير تساؤلات حول مدى نجاعتها مقارنة بحجم الخصاص الذي تعرفه البنيات التحتية الأساسية للسياحة.

فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الندوات أو التوصيات الصادرة عنها، وإنما بقدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل الموارد المالية إلى مشاريع مستدامة، تخلق فرص الشغل، وترفع من جودة الخدمات، وتعزز العدالة المجالية بين مختلف أقاليم الجهة.

النقل الجوي… الحلقة الأضعف في المنظومة السياحية

يشكل النقل الجوي أحد أهم مقومات نجاح أي وجهة سياحية، خصوصا بالنسبة للسياحة الاستشفائية التي تعتمد على سهولة الولوج إلى المراكز العلاجية والمنتجعات الطبيعية.

غير أن جهة فاس-مكناس تعيش منذ سنوات وضعا مقلقا يتمثل في تراجع الربط الجوي الدولي، بعدما فقد مطار فاس-سايس أكثر من سبعة خطوط جوية مباشرة نحو عدد من الوجهات الأوروبية التي كانت تمثل أسواقا تقليدية للسياحة الوافدة.

ويطرح هذا التراجع أكثر من علامة استفهام، خاصة في ظل المنافسة القوية التي تعرفها باقي الجهات المغربية، والتي تمكنت من استقطاب شركات طيران جديدة وتعزيز رحلاتها الدولية.

وتزداد حدة هذا الإشكال مع اقتراب المملكة من احتضان تظاهرات رياضية دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، حيث لا يزال المسافرون، سواء من أبناء الجهة أو السياح الأجانب، يضطرون في كثير من الأحيان إلى التنقل برا نحو مطاري الدار البيضاء أو الرباط لمواصلة رحلاتهم الدولية، وهو ما يضعف جاذبية العاصمة العلمية ويقلص قدرتها على المنافسة.

وأمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل مشترك بين مجلس جهة فاس-مكناس والمكتب الوطني للمطارات والقطاعات الحكومية المختصة، من أجل وضع خطة استعجالية لاسترجاع الخطوط الجوية المفقودة، وتحفيز شركات الطيران على فتح خطوط جديدة تربط فاس بمختلف الأسواق الأوروبية والإفريقية والشرق أوسطية.

خدمات سياحية لا ترقى إلى مستوى الأسعار

لا تتوقف تحديات القطاع عند أزمة النقل الجوي، بل تمتد إلى جودة الخدمات السياحية نفسها.

فالكثير من الزوار يسجلون وجود تفاوت واضح بين الأسعار المرتفعة التي تفرضها بعض الفنادق والمطاعم والمؤسسات السياحية، وبين مستوى الخدمات المقدمة، الأمر الذي يؤثر سلبا على صورة الجهة ويحد من قدرتها على استقطاب السياح أو تشجيعهم على تكرار الزيارة.

كما أن غياب رقابة فعالة على الأسعار وجودة الاستقبال والخدمات، إلى جانب استمرار بعض الممارسات العشوائية وانتشار الوسطاء غير القانونيين، ينعكس بشكل مباشر على سمعة الوجهة السياحية ويضعف تنافسيتها مقارنة بوجهات وطنية ودولية تقدم خدمات أفضل بأسعار أكثر تنافسية.

الحامات العلاجية… مؤهلات طبيعية يقابلها ضعف في التدبير

تمتلك جهة فاس-مكناس واحدة من أغنى الشبكات الوطنية للحامات المعدنية ذات الخصائص العلاجية، غير أن واقع هذه المرافق يكشف عن اختلالات متباينة تختلف من موقع إلى آخر.

حامة مولاي يعقوب… تفاوت في الاستفادة واكتظاظ متواصل

تعرف حامة مولاي يعقوب، باعتبارها أشهر محطة استشفائية بالمغرب، مفارقة واضحة بين المرافق الحديثة التابعة للمجمع السياحي، والتي أصبحت في متناول فئة محدودة من الزبناء بفعل ارتفاع أسعارها، وبين الحامة التقليدية التي تشهد ضغطا واكتظاظا يوميا بسبب محدودية الطاقة الاستيعابية.

ويزداد الوضع تعقيدا بعد إغلاق الحامة التاريخية الأثرية إثر تقارير تقنية حذرت من خطر انهيارها، دون تسجيل تقدم ملموس في أشغال الترميم وإعادة التأهيل، وهو ما ساهم في مضاعفة الضغط على المرافق المتبقية.

منتجع سيدي حرازم… فوضى تنظيمية وتشويه للمشهد السياحي

رغم القيمة التاريخية والطبيعية التي يتميز بها منتجع سيدي حرازم، فإن الفضاء يعرف انتشارا متزايدا للمظاهر العشوائية، من قبيل احتلال الأرصفة والساحات العمومية من طرف باعة الحصائر والمظلات والمحلات غير المنظمة، في ظل ضعف واضح في المراقبة والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

وتؤثر هذه الاختلالات بشكل مباشر على جمالية الموقع، كما تحد من قدرته على استقطاب السياحة الوطنية والدولية، رغم المؤهلات التي يتوفر عليها.

وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى انطلاق مشروع إعادة تأهيل المنتجع، وهو المشروع الذي يعلق عليه الكثيرون آمالا كبيرة لإعادة الاعتبار لهذا الفضاء الطبيعي والتاريخي، شريطة أن يواكب ذلك فرض النظام، وتنظيم الأنشطة التجارية، والحفاظ على جمالية الموقع وجودة الخدمات.

حامة عين الله بالضويات… تدبير هش وهواجس أمنية

تعاني حامة عين الله من غياب معايير التدبير الحديثة، سواء على مستوى التنظيم أو المراقبة أو الخدمات، الأمر الذي انعكس على الأوضاع الأمنية داخل هذا المرفق، حيث سبق أن شهد حادثا مأساويا تمثل في جريمة قتل اندلعت إثر خلاف بين شابين.

ويبرز هذا المعطى الحاجة إلى إعادة تنظيم هذا الفضاء، وتعزيز شروط السلامة، ووضع نظام واضح لتدبير الاستقبال والاستغلال بما يضمن الأمن وجودة الخدمات.

حامة عين الحمراء بإقليم تازة… مؤهلات كبيرة وتهميش مستمر

تمثل حامة عين الحمراء بإقليم تازة نموذجا صارخا للفوارق المجالية داخل جهة فاس-مكناس.

فعلى الرغم من المؤهلات العلاجية والطبيعية التي تزخر بها،و تحطيم الأرقام القياسية في أعداد الزوار و خاصة أفراد الجالية المغربية و من داخل المدن المغربية، فإنها لا تزال خارج أولويات الاستثمار والتأهيل، كما تعاني من ضعف البنيات الأساسية، وفي مقدمتها الطريق المؤدية إليها، والتي ظلت لسنوات في وضعية متدهورة.

وفي مشهد يعكس حجم الخصاص، اضطر أحد أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج إلى تمويل تهيئة جزء من المسلك باستعمال مادة “التوفنة”، في مبادرة فردية عوض أن تكون هذه الأشغال ضمن اختصاصات المؤسسات المنتخبة.

ويطرح هذا الوضع سؤال العدالة المجالية ومدى استفادة مختلف أقاليم الجهة من برامج التنمية، بعيدا عن تركيز المشاريع داخل المراكز الحضرية الكبرى.

هل الأولوية للمنتديات أم للمشاريع الميدانية؟

يثير واقع القطاع السياحي سؤالا محوريا حول ترتيب الأولويات في تدبير الموارد المالية.

ففي مقابل الاعتمادات التي تصرف على الجوانب البروتوكولية والتنظيمية للمنتديات، يرى عدد من المتتبعين أن الجهة كانت في حاجة أكبر إلى:

  • دعم استرجاع الخطوط الجوية الدولية بمطار فاس-سايس.
  • تمويل برامج إعادة تأهيل الحامة التاريخية بمولاي يعقوب وإعادة فتحها.
  • تسريع تأهيل منتجع سيدي حرازم وفرض النظام داخله.
  • إعادة هيكلةعين الحمراء وتحسين البنيات التحتية المحيطة بها.
  • تحسين الولوج إلى مختلف المواقع الاستشفائية وتطوير الخدمات المقدمة بها.
  • تعزيز المراقبة لمحاربة الفوضى والاحتلال غير القانوني للفضاءات العمومية وضبط جودة الخدمات والأسعار.

قبل المونديال… الحاجة إلى رؤية عملية

ومع اقتراب المملكة من استحقاقات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، تصبح جهة فاس-مكناس مطالبة بالانتقال من مرحلة التشخيص وإطلاق الشعارات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تنظيم المنتديات أو مناقشة الذكاء الاصطناعي داخل قاعات المؤتمرات، بل في بناء منظومة سياحية متكاملة تبدأ بتأهيل البنيات التحتية، وتعزيز الربط الجوي، وإعادة الاعتبار للحامات العلاجية، وتحسين جودة الخدمات، ومحاربة الفوضى والعشوائية، وتكريس العدالة المجالية بين مختلف أقاليم الجهة.

إن نجاح السياحة الاستشفائية لن يتحقق إلا إذا أصبحت هذه المؤهلات الطبيعية جزءا من مشروع تنموي متكامل، يقوم على الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحسن توظيف المال العام، بما يضمن تحويل جهة فاس-مكناس إلى قطب وطني وإقليمي للسياحة العلاجية، قادر على المنافسة واستقطاب الاستثمارات والزوار في أفق الاستحقاقات الدولية المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى