سياسة

لفتيت يكشف ملامح أكبر ورش للعدالة المجالية بالمغرب.. 210 مليارات درهم لتقليص الفوارق وإنعاش العالم القروي وتعزيز التنمية الجهوية

في وقت تتزايد فيه المطالب بتحقيق تنمية أكثر إنصافاً بين مختلف مناطق المملكة، أكدت وزارة الداخلية أن معركة تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية أصبحت في صلب السياسات العمومية للدولة، باعتبارها مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية المتوازنة وترسيخ العدالة الترابية التي ما فتئ الملك محمد السادس يدعو إليها في مختلف الخطب والتوجيهات الملكية.

وفي معطيات جديدة قدمها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام المؤسسة التشريعية، برزت ملامح مرحلة جديدة من التدخل العمومي، تقوم على إعادة توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل استفادة من التنمية، سواء داخل الجهات أو بين المجالين الحضري والقروي، مع اعتماد آليات جديدة للحكامة والتخطيط الترابي وربط التنمية بالحاجيات الحقيقية للسكان.

من منطق المشاريع المتفرقة إلى رؤية ترابية شاملة

تؤكد وزارة الداخلية أن الرهان لم يعد يقتصر على إنجاز مشاريع متفرقة هنا وهناك، بل أصبح يرتبط ببناء رؤية تنموية مندمجة تجعل من العدالة المجالية محوراً أساسياً في توزيع الاستثمارات العمومية.

وتقوم هذه الرؤية على مبدأ أن التنمية لا يمكن أن تظل متمركزة في المدن الكبرى أو الأقطاب الاقتصادية التقليدية، بل ينبغي أن تمتد إلى الجماعات القروية والمناطق الجبلية والمجالات التي ظلت تعاني لعقود من ضعف التجهيزات والبنيات التحتية والخدمات الأساسية.

ولهذا الغرض، تم اعتماد مقاربة جديدة ترتكز على التشخيص الدقيق لحاجيات كل جهة وكل إقليم وكل جماعة ترابية، بما يسمح بتوجيه الموارد المالية نحو المشاريع ذات الأولوية والأثر المباشر على حياة المواطنين.

100 مليار درهم لبرامج التنمية الجهوية

وفي إطار تعزيز الجهوية المتقدمة، كشفت وزارة الداخلية أن برامج التنمية الجهوية للفترة الممتدة بين 2022 و2027 رصد لها غلاف مالي يقارب 100 مليار درهم، موجه لإنجاز مشاريع كبرى في مختلف جهات المملكة.

وتشمل هذه المشاريع مجالات حيوية ترتبط بالبنيات التحتية والتجهيزات الأساسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يساهم في تحسين جاذبية المجالات الترابية وخلق فرص جديدة للاستثمار والشغل.

وتعتبر الوزارة أن هذه البرامج تمثل أحد أهم الأدوات العملية لتقليص الفوارق داخل الجهات نفسها، عبر توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي تعاني من الخصاص وتوفير شروط التنمية المستدامة لفائدة ساكنتها.

210 مليارات درهم لإطلاق جيل جديد من التنمية الترابية

ومن أبرز المعطيات التي كشف عنها وزير الداخلية، إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والتي ينتظر أن تصل كلفتها الإجمالية إلى حوالي 210 مليارات درهم على امتداد ثماني سنوات.

وقد خصص قانون المالية لسنة 2026 اعتمادات أولية بقيمة 20 مليار درهم لإعطاء الانطلاقة لهذا الورش الوطني الضخم، الذي يهدف إلى إعادة رسم خريطة التنمية داخل المملكة وفق مقاربة تعتمد الإنصاف المجالي والتوزيع العادل للاستثمارات.

ويعتمد هذا البرنامج على توجيه الموارد العمومية نحو المناطق الأكثر هشاشة والأقل استفادة من المشاريع التنموية، مع الحرص على تحقيق التكامل بين تدخلات مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية.

حكامة جديدة لتسريع الإنجاز

وفي إطار البحث عن مزيد من الفعالية والنجاعة، تتجه الدولة نحو إحداث شركات جهوية للتنمية والاستثمار تحت إشراف الجهات، لتحل محل عدد من الآليات التقليدية المعتمدة في تنفيذ المشاريع.

ويهدف هذا التوجه إلى تجاوز بعض الإكراهات المرتبطة ببطء الإنجاز وتعقيد المساطر، مع تعزيز مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتحسين تتبع المشاريع التنموية على المستوى الترابي.

وترى وزارة الداخلية أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من منطق تدبير المشاريع إلى منطق تحقيق النتائج والأثر المباشر على المواطنين، بما يضمن استثماراً أكثر فعالية للمال العام.

العالم القروي في قلب الأولويات

ويظل العالم القروي أحد أبرز المستفيدين من هذه الاستراتيجية الوطنية، بالنظر إلى التحديات الكبيرة التي ما تزال تواجه عدداً من المناطق القروية والجبلية في مجالات الطرق والماء والتعليم والصحة.

وفي هذا السياق، واصلت وزارة الداخلية تتبع برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بالعالم القروي، الذي انطلق تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تحقيق العدالة الترابية وتحسين ظروف عيش الساكنة.

وقد بلغت الميزانية الإجمالية لهذا البرنامج حوالي 50 مليار درهم، تم توجيهها إلى مشاريع استهدفت فك العزلة وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية وتعزيز البنيات التحتية بالمناطق القروية.

وتظهر الأرقام الرسمية أن نسبة كبيرة من هذه الاستثمارات وجهت إلى قطاع الطرق والمسالك القروية، باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لفك العزلة عن الدواوير والمناطق النائية وربطها بمراكز النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

الماء والتعليم والصحة ضمن الأولويات

إلى جانب الطرق، شملت الاستثمارات العمومية قطاعات استراتيجية أخرى تتعلق بالتزود بالماء الصالح للشرب وتطوير البنيات التعليمية وتعزيز الكهربة القروية وتحسين الخدمات الصحية.

وتعكس هذه الاختيارات وعياً متزايداً بأهمية التنمية البشرية إلى جانب التنمية الاقتصادية، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون توفير خدمات التعليم والصحة والماء والكهرباء لفائدة الساكنة.

كما أن تحسين هذه المؤشرات يشكل عاملاً أساسياً في الحد من الهجرة القروية وتعزيز استقرار السكان داخل مجالاتهم الترابية.

المدن أيضاً في قلب التحول

وفي موازاة الاهتمام بالعالم القروي، تواصل الدولة تنفيذ برامج واسعة لتأهيل المدن والمراكز الحضرية، عبر مشاريع تستهدف تحسين البنيات التحتية وتطوير النقل الحضري وتأهيل الفضاءات العمومية وتعزيز جاذبية المدن للاستثمار.

وتستفيد المدن الكبرى على وجه الخصوص من مشاريع استراتيجية تهدف إلى دعم أدوارها الاقتصادية وتحويلها إلى أقطاب تنموية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل واستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية.

نحو مغرب أكثر توازناً

تكشف المعطيات التي قدمتها وزارة الداخلية أن المملكة دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة التوازن إلى الخريطة التنموية الوطنية، من خلال توجيه الاستثمارات وفق معايير الإنصاف المجالي والحاجيات الفعلية للسكان.

ويبدو أن الرهان لم يعد مقتصراً على حجم الاعتمادات المالية المرصودة، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة هذه البرامج على تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين، وتقليص الفوارق بين المناطق، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، وتعزيز فرص التنمية والشغل.

وبين 100 مليار درهم الموجهة لبرامج التنمية الجهوية و210 مليارات درهم المخصصة للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، تؤكد الدولة أنها تضع العدالة المجالية في صدارة أولوياتها، في أفق بناء مغرب أكثر توازناً وتضامناً، تكون فيه التنمية حقاً مشتركاً بين جميع الجهات والأقاليم، وليس امتيازاً جغرافياً تستفيد منه مناطق دون أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى