غضب المحامين يصل إلى أبواب البرلمان.. احتجاج وطني يرفع منسوب التوتر حول مشروع قانون المهنة ويضع الحكومة أمام اختبار الحوار

تحول محيط مبنى البرلمان بالعاصمة الرباط، اليوم الإثنين، إلى منصة احتجاج مهني واسعة، بعدما احتشد مئات المحامين والمحاميات القادمين من مختلف هيئات المملكة للتعبير عن رفضهم لمضامين مشروع قانون مهنة المحاماة، في خطوة تعكس حجم التوتر المتصاعد داخل أحد أهم مكونات منظومة العدالة بالمغرب.
الوقفة الوطنية، التي دعت إليها هيئات مهنية للمحامين، لم تكن مجرد تعبير عن موقف قطاعي ضيق، بل حملت رسائل قوية إلى الحكومة والمؤسسة التشريعية بشأن مستقبل مهنة تعتبرها مختلف المرجعيات الدستورية والقانونية شريكاً أساسياً في تحقيق العدالة وصيانة الحقوق والحريات.
المحامون يصعدون احتجاجاتهم
منذ الساعات الأولى من صباح اليوم، توافدت وفود المحامين من مختلف المدن المغربية نحو العاصمة الرباط، حيث رفعت شعارات ولافتات تنتقد عدداً من المقتضيات الواردة في مشروع القانون الجديد، معتبرة أن بعض مواده تثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل استقلالية المهنة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم قطاع يعد أحد أعمدة العدالة.
وردد المحتجون شعارات تدعو إلى مراجعة المشروع وفتح نقاش أوسع بشأنه، مؤكدين أن الإصلاح التشريعي لا يمكن أن ينجح دون إشراك فعلي للمهنيين المعنيين به، خاصة وأن المحاماة تشكل أحد المكونات الرئيسية لمنظومة العدالة إلى جانب القضاء والنيابة العامة وباقي المهن القانونية والقضائية.
مشروع قانون يثير جدلاً واسعاً
ويأتي هذا التصعيد في سياق نقاش متواصل منذ أشهر حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، والذي يهدف، بحسب الجهات الداعمة له، إلى تحديث الإطار القانوني للمهنة وملاءمته مع التحولات التي تعرفها منظومة العدالة والتطورات المرتبطة بالرقمنة وتجويد الخدمات القانونية.
غير أن عدداً من الهيئات المهنية تعتبر أن المشروع، بصيغته الحالية، لا يستجيب لتطلعات المحامين، وتؤكد أن بعض مقتضياته تطرح إشكالات مرتبطة باستقلالية المهنة وبصلاحيات المؤسسات المهنية وآليات تدبيرها.
ويرى معارضو المشروع أن أي إصلاح يهم المحاماة ينبغي أن يحافظ على خصوصية هذه المهنة باعتبارها مهنة حرة ومستقلة، وأن يضمن استمرار دورها التاريخي في الدفاع عن الحقوق والحريات ومواكبة التحولات القانونية والمؤسساتية التي تعرفها المملكة.
المحاماة بين الإصلاح والاستقلالية
وتحتل مهنة المحاماة مكانة خاصة داخل المنظومة الدستورية المغربية، باعتبارها أحد الضمانات الأساسية لتحقيق المحاكمة العادلة وحماية حق الدفاع، وهو ما يجعل أي تعديل تشريعي يهمها محط اهتمام واسع داخل الأوساط الحقوقية والقانونية.
ويؤكد عدد من الفاعلين القانونيين أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بالجوانب التنظيمية للمهنة، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين المحامي والمؤسسات المختلفة داخل منظومة العدالة، وحدود الضمانات الواجب توفيرها للممارسة المهنية المستقلة.
كما يعتبر متابعون أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إخراج قانون جديد للمهنة، بل في بناء توافق مهني ومؤسساتي حول مضامينه، بما يضمن تحديث القطاع دون خلق توترات جديدة أو تعميق حالة الاحتقان القائمة.
مطالب بفتح حوار جديد
وخلال الوقفة الاحتجاجية، شدد المشاركون على أن مطلبهم الأساسي يتمثل في فتح حوار مؤسساتي جاد ومسؤول حول المشروع، مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات والمقترحات التي تقدمت بها الهيئات المهنية خلال مراحل إعداد النص.
وأكد المحتجون أن المحامين ليسوا ضد الإصلاح أو تحديث القوانين المنظمة للمهنة، بل يطالبون بأن يتم ذلك في إطار مقاربة تشاركية تضمن التوافق وتحافظ على المكتسبات المهنية والدستورية التي راكمها القطاع على مدى عقود.
كما اعتبر عدد من المتدخلين أن نجاح أي إصلاح تشريعي مرتبط بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات تحديث المهنة والحفاظ على استقلاليتها، باعتبارها ركناً أساسياً من أركان دولة الحق والقانون.
رسالة إلى الحكومة والبرلمان
الاحتجاج الذي شهده محيط البرلمان حمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن مشروع قانون المحاماة دخل مرحلة دقيقة من النقاش، وأن جزءاً مهماً من الجسم المهني يطالب بإعادة فتح قنوات الحوار قبل المرور إلى المراحل النهائية من المسار التشريعي.
وفي المقابل، تجد الحكومة نفسها أمام تحدي تدبير هذا الملف الحساس، خاصة في ظل تمسك المحامين بمواصلة برنامجهم الاحتجاجي وتصعيد أشكالهم النضالية إلى حين الاستجابة لمطالبهم.
وبين منطق الإصلاح الذي ترفعه الجهات المدافعة عن المشروع، ومنطق الحفاظ على استقلالية المهنة الذي يتمسك به المحتجون، يبدو أن ملف قانون المحاماة مرشح لمزيد من النقاش خلال الأسابيع المقبلة، في انتظار إيجاد صيغة توافقية قادرة على تهدئة الاحتقان وضمان إصلاح ينسجم مع تطلعات المهنيين ومتطلبات تطوير منظومة العدالة بالمملكة.
لقد أعادت وقفة الرباط التأكيد على أن المحاماة ليست مجرد مهنة قانونية، بل مؤسسة مجتمعية مرتبطة بحماية الحقوق والحريات، وأن أي إصلاح يهمها يظل رهيناً بقدرته على الجمع بين التحديث والاستقلالية والحوار المسؤول، بما يخدم العدالة ويعزز الثقة في مؤسساتها.






