مجتمع

ليالي الهروب من حرارة خانقة تدفع آلاف الفاسيين إلى الشوارع .. والساحات العمومية تتحول إلى متنفس جماعي في مواجهة صيف مبكر

مع كل ليلة حارة تعرفها مدينة فاس، تتكرر المشاهد نفسها في مختلف أحياء العاصمة العلمية. عائلات بأكملها تغادر منازلها بعد غروب الشمس، أطفال يلهون قرب المدارات الطرقية، وشباب وكبار سن يفترشون المساحات الخضراء والساحات العمومية بحثاً عن نسمة هواء تخفف من قسوة درجات الحرارة التي أصبحت تخيم على المدينة خلال فصل الصيف.

لكن خلف هذه المشاهد التي باتت مألوفة، تبرز حقيقة أخرى أكثر عمقاً ترتبط بتراكمات سنوات طويلة من سوء التخطيط الحضري وضعف الاستثمار في الفضاءات العمومية الموجهة للساكنة. فالأعداد المتزايدة من المواطنين الذين يقضون لياليهم في الشوارع والساحات ليست فقط نتيجة موجة حر عابرة، بل تعبير واضح عن الخصاص الكبير الذي تعاني منه المدينة في مجال المتنفسات الحضرية والحدائق الكبرى والمرافق الترفيهية القادرة على استيعاب النمو الديمغرافي المتسارع الذي عرفته فاس خلال العقود الأخيرة.

ففي الوقت الذي توسعت فيه المدينة عمرانياً بشكل لافت، ظلت المساحات الخضراء والمرافق الترفيهية العمومية محدودة وغير كافية، ما جعل آلاف الأسر تجد نفسها مضطرة إلى تحويل المدارات الطرقية والأرصفة وبعض المساحات المزروعة إلى فضاءات للاستجمام الليلي. وهو واقع يعكس، بحسب متابعين للشأن المحلي، فشل عدد من المجالس المنتخبة المتعاقبة في بلورة رؤية حضرية متكاملة تضع جودة الحياة والحق في الفضاء العمومي ضمن أولوياتها.

وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالمساحات الخضراء التي أصبحت تستقطب أعداداً كبيرة من المواطنين خلال هذه الفترة. فجزء مهم من هذه الفضاءات لا يدخل ضمن مشاريع أطلقتها أو أنجزتها الجماعة الحضرية، بل يندرج في إطار الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة لتأهيل مدينة فاس استعداداً للاستحقاقات الرياضية الدولية وفي مقدمتها كأس العالم 2030، حيث تم تخصيص اعتمادات مالية مهمة لإعادة تهيئة المحاور الطرقية الكبرى والمساحات المجاورة لها وتحسين المشهد الحضري للمدينة.

ويرى متابعون أن هذه المشاريع، رغم أهميتها، كشفت في المقابل محدودية المبادرات المحلية الموجهة لخلق متنفسات جديدة ومستدامة للساكنة، إذ لا تزال المدينة تفتقر إلى حدائق كبرى ومناطق ترفيهية حديثة تتناسب مع حجمها الديمغرافي ومكانتها التاريخية والاقتصادية. كما أن المجلس الجماعي الحالي لم ينجح، إلى حدود الساعة، في تقديم مشاريع نوعية قادرة على معالجة هذا الخصاص المتراكم أو توفير بدائل حقيقية تستجيب لحاجيات السكان خلال فترات الحر الشديد.

ومع تزايد الإقبال الليلي على هذه الفضاءات، تبرز تحديات أخرى مرتبطة بالحفاظ على المكتسبات التي تم إنجازها. فالضغط اليومي المتواصل على المساحات الخضراء قد يؤدي إلى إتلاف أجزاء منها وإلحاق أضرار بالتجهيزات الحضرية التي أنفقت عليها ميزانيات مهمة. كما تشهد بعض المواقع تراكم النفايات والمخلفات المنزلية وبقايا المأكولات والمشروبات، ما يهدد جمالية هذه الفضاءات ويزيد من الأعباء المفروضة على مصالح النظافة.

وفي موازاة ذلك، تفرض التجمعات البشرية الكبيرة التي تعرفها الساحات والمدارات خلال ساعات الليل ضرورة تعزيز الحضور الأمني بمحيط هذه الفضاءات. فوجود دوريات أمنية بشكل منتظم لا يساهم فقط في حماية المواطنين وممتلكاتهم، بل يضمن أيضاً تنظيم الفضاء العام والحفاظ على النظام والسكينة، خصوصاً مع تواجد أعداد كبيرة من الأطفال والنساء والأسر إلى ساعات متأخرة من الليل.

وتكشف هذه المشاهد اليومية أن قضية الحرارة بفاس لم تعد مجرد معطى مناخي ظرفي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة المدينة على توفير شروط العيش الحضري اللائق لسكانها. فحين تضطر آلاف الأسر إلى مغادرة بيوتها كل ليلة بحثاً عن مكان تتنفس فيه، فإن الأمر يتجاوز موجة الحر ليطرح أسئلة جوهرية حول التخطيط الحضري وجودة الخدمات الجماعية ومستقبل الفضاء العمومي بالعاصمة العلمية.

وبين منازل تحتفظ بحرارة النهار، ومساحات خضراء أصبحت الملاذ الوحيد للباحثين عن البرودة، تبدو فاس اليوم في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى رؤية حضرية جديدة تجعل الإنسان وجودة حياته في صلب السياسات المحلية، بدل الاكتفاء بتدبير الأزمات الموسمية التي تكشف، عاماً بعد آخر، حجم الاختلالات المتراكمة في تدبير المجال الحضري للمدينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى