سياسة

من قلب ستراسبورغ.. ” فاس 24″ ترصد البرلمان الأوروبي يشدد قبضته على الهجرة ويعيد رسم ملامح العلاقة مع دول الجوار.. والمغرب في صلب التحولات الجديدة

يعيش الاتحاد الأوروبي واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية منذ سنوات، في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، والتحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه القارة العجوز، وهي تحديات دفعت المؤسسات الأوروبية إلى تبني مقاربات جديدة وأكثر تشدداً، كان آخرها القرار المثير للجدل الذي صادق عليه البرلمان الأوروبي الأربعاء 17 يونيو 2026، والمتعلق بإنشاء مراكز احتجاز وتجميع للمهاجرين خارج حدود الاتحاد الأوروبي.

ويأتي هذا القرار في سياق أوسع يعكس التحولات العميقة التي تعرفها السياسة الأوروبية تجاه قضايا الهجرة واللجوء، كما يكشف حجم التأثير الذي بات يمارسه البرلمان الأوروبي على مستقبل السياسات الداخلية والخارجية للاتحاد، وعلى طبيعة العلاقات مع الدول الشريكة وفي مقدمتها المملكة المغربية.

البرلمان الأوروبي.. المؤسسة التي تصنع قرارات أوروبا

يعد البرلمان الأوروبي المؤسسة التشريعية الوحيدة المنتخبة بشكل مباشر من طرف مواطني الاتحاد الأوروبي، حيث يمثل أكثر من 450 مليون أوروبي موزعين على 27 دولة عضو.

وتتجاوز صلاحيات البرلمان مجرد المصادقة على القوانين، إذ يشارك في صياغة السياسات الكبرى المتعلقة بالاقتصاد والطاقة والأمن والبيئة والتجارة والهجرة والعلاقات الخارجية، كما يراقب عمل المفوضية الأوروبية ويصادق على الميزانية العامة للاتحاد.

وتنعقد جلساته العامة بمدينة ستراسبورغ الفرنسية، فيما تحتضن بروكسيل أعمال اللجان المتخصصة والاجتماعات السياسية، بينما توجد مجموعة من الإدارات والمؤسسات الأوروبية بمدينة لوكسمبورغ.

وخلال السنوات الأخيرة، تحول البرلمان الأوروبي إلى أحد أبرز الفاعلين في رسم التوجهات الاستراتيجية للقارة، خاصة في ظل الأزمات الدولية المتلاحقة والتغيرات الجيوسياسية التي يشهدها العالم.

جلسة حاسمة.. أوروبا تصوت على أحد أكثر قوانين الهجرة تشدداً

شكلت جلسة الأربعاء 17 يونيو 2026 محطة مفصلية داخل البرلمان الأوروبي، بعدما صادق النواب الأوروبيون بأغلبية مريحة بلغت 418 صوتاً مقابل 218 صوتاً معارضاً على مشروع قانون جديد يهدف إلى تشديد إجراءات التعامل مع المهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء المرفوضين.

ويمنح القانون الجديد سلطات أوسع للدول الأوروبية لترحيل المهاجرين نحو دول خارج الاتحاد الأوروبي، حتى في الحالات التي لا تربط فيها المهاجرين أي علاقة مباشرة بالدولة المستقبلة، شريطة وجود اتفاقيات مسبقة بين الاتحاد الأوروبي وتلك الدول.

ويعتبر هذا التشريع من أكثر النصوص إثارة للجدل داخل المؤسسات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، نظراً لما يتضمنه من إجراءات غير مسبوقة تهدف إلى رفع نسبة تنفيذ قرارات الترحيل التي لا تتجاوز حالياً حوالي 20 في المائة من مجموع القرارات الصادرة داخل دول الاتحاد.

مراكز خارج أوروبا.. مقاربة جديدة للهجرة

بحسب التوجه الجديد، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء مراكز احتجاز وتجميع خارج حدوده لاستقبال المهاجرين الذين صدرت بحقهم قرارات الطرد أو رفض طلبات اللجوء الخاصة بهم.

وتراهن عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا والنمسا وهولندا واليونان، على تفعيل هذه المراكز ابتداءً من سنة 2027، من خلال إبرام اتفاقيات مع دول شريكة خارج الاتحاد الأوروبي.

ويهدف هذا التوجه إلى تقليص أعداد المهاجرين غير النظاميين داخل أوروبا، وتسريع مساطر الترحيل، في ظل الضغوط السياسية المتزايدة التي تمارسها الأحزاب المحافظة واليمينية على الحكومات الأوروبية.

كما يتضمن القانون الجديد إجراءات أكثر صرامة، من بينها رفع مدة الاحتجاز الإداري للأشخاص المعنيين بقرارات الترحيل إلى سنتين كاملتين، مع إمكانية تمديدها لفترات إضافية في حالات معينة.

ويتحدث النص أيضاً عن تشديد القيود المرتبطة بالمساعدات الاجتماعية والتنقل ووثائق السفر بالنسبة للأشخاص الذين صدرت في حقهم أوامر بالمغادرة.

المغرب ضمن قائمة “الدول الأصلية الآمنة”

ومن بين أبرز النقاط التي أثارت الانتباه في هذا التشريع الأوروبي الجديد، إدراج المغرب ضمن قائمة ما يعرف بـ”الدول الأصلية الآمنة”.

ويعني هذا التصنيف أن طلبات اللجوء المقدمة من مواطني هذه الدول ستخضع لإجراءات أكثر سرعة وتشدداً، انطلاقاً من فرضية أن هذه البلدان لا تشهد أوضاعاً عامة تستدعي منح الحماية الدولية بشكل تلقائي.

وضمت القائمة إلى جانب المغرب دولاً أخرى مثل تونس ومصر والهند وكولومبيا، إضافة إلى عدد من الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ويرى عدد من المراقبين أن هذا التصنيف يعكس في جانب منه اعترافاً أوروبياً بمستوى الاستقرار المؤسساتي والأمني الذي تنعم به المملكة مقارنة بعدد من الدول الأخرى في المنطقة.

بين المقاربة الأمنية والانتقادات الحقوقية

ورغم الدعم السياسي الواسع الذي حظي به القانون داخل البرلمان الأوروبي، إلا أنه أثار موجة كبيرة من الانتقادات داخل الأوساط الحقوقية واليسارية الأوروبية.

فعدد من المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان اعتبرت أن إنشاء مراكز احتجاز خارج أوروبا قد يفتح الباب أمام تجاوزات تمس الحقوق الأساسية للمهاجرين وطالبي اللجوء.

كما استحضرت هذه الجهات تجارب سابقة أثارت جدلاً واسعاً، من بينها الخطة البريطانية الخاصة بترحيل المهاجرين إلى رواندا، والمراكز التي حاولت إيطاليا إحداثها في ألبانيا والتي واجهت صعوبات قانونية وسياسية كبيرة.

ويرى منتقدو المشروع أن الحلول الأمنية وحدها لن تكون كافية لمعالجة الظاهرة، مطالبين بمعالجة الأسباب العميقة للهجرة المرتبطة بالفقر والحروب والتغيرات المناخية وعدم الاستقرار الاقتصادي.

المغرب.. شريك استراتيجي في تدبير ملف الهجرة

وبعيداً عن الجدل السياسي الذي يرافق القانون الجديد، يبقى المغرب أحد أبرز الشركاء الأوروبيين في مجال تدبير الهجرة ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.

وخلال السنوات الأخيرة، نجحت المملكة في تطوير مقاربة متوازنة تجمع بين البعد الأمني والبعد الإنساني، كما عززت تعاونها مع الشركاء الأوروبيين في مواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

وتنظر العديد من العواصم الأوروبية إلى المغرب باعتباره فاعلاً أساسياً في الحفاظ على الاستقرار بمنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، وشريكاً لا يمكن تجاوزه في أي استراتيجية أوروبية مرتبطة بالهجرة والأمن والتنمية.

أوروبا تتغير.. والمغرب يراقب التحولات

ما جرى داخل البرلمان الأوروبي هذا الأسبوع لا يتعلق فقط بقانون جديد للهجرة، بل يعكس تحولاً سياسياً عميقاً داخل أوروبا نحو سياسات أكثر تشدداً في التعامل مع ملف الهجرة واللجوء.

كما يكشف حجم الضغوط التي تواجهها الحكومات الأوروبية نتيجة تصاعد الهجرة غير النظامية وتنامي نفوذ التيارات المحافظة واليمينية داخل عدد من الدول الأوروبية.

وبالنسبة للمغرب، فإن هذه التحولات تستوجب متابعة دقيقة، ليس فقط بالنظر إلى وضع الجالية المغربية المقيمة بأوروبا، ولكن أيضاً بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي تحتلها المملكة في المعادلة الأوروبية الجديدة.

وبين قاعات ستراسبورغ ومكاتب بروكسيل ومؤسسات لوكسمبورغ، تتخذ اليوم قرارات ستؤثر على مستقبل ملايين الأشخاص وعلى شكل العلاقات بين أوروبا وجوارها الجنوبي خلال السنوات المقبلة. وفي قلب هذه المعادلة يظل المغرب أحد أهم الشركاء الذين تتابع أوروبا دورهم باهتمام متزايد، سواء في قضايا الأمن أو الهجرة أو التنمية أو الاستقرار الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى