مفارقة غير مسبوقة في الفلاحة المغربية.. انخفاض أسعار الدجاج يُسعد المستهلك ويُفلس المربين

في سابقة لافتة داخل القطاع الفلاحي المغربي، وجد سوق الدواجن نفسه أمام مفارقة اقتصادية واجتماعية معقدة: فبينما استقبل المستهلك المغربي بارتياح تراجع أسعار الدجاج وعودتها إلى مستويات اعتبرها كثيرون “طبيعية” بعد أشهر من الغلاء، ارتفعت أصوات المربين محذرة من أزمة خانقة تهدد استمرارية الآلاف من الضيعات وتدفع عدداً متزايداً من المنتجين نحو الإفلاس.
هذه الوضعية الاستثنائية أعادت إلى الواجهة سؤال التوازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطن وضمان استدامة الإنتاج الوطني، خاصة أن قطاع الدواجن يعد أحد أهم القطاعات الفلاحية بالمملكة، ويوفر آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة ويشكل مصدراً أساسياً للبروتين الحيواني لدى الأسر المغربية.
عندما يصبح انخفاض الأسعار مشكلة
في القواعد الاقتصادية التقليدية، يعتبر تراجع الأسعار خبراً ساراً للمستهلكين ومؤشراً إيجابياً على استقرار الأسواق. غير أن ما يعيشه قطاع الدواجن اليوم يكشف وجهاً آخر للمعادلة، حيث أصبحت الأسعار المتداولة في السوق أقل من تكلفة الإنتاج بالنسبة لعدد كبير من المربين.
وتؤكد الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم أن الأزمة الحالية لا ترتبط بعوامل موسمية أو ظرفية مرتبطة بعيد الأضحى أو بتراجع مؤقت في الاستهلاك، بل تعكس اختلالات هيكلية عميقة تراكمت لسنوات داخل القطاع، لتنفجر اليوم في شكل خسائر متتالية تهدد مستقبل آلاف المستثمرين الصغار والمتوسطين.
“إغراق السوق” بالكتاكيت في قلب الجدل
جوهر الأزمة، وفق ما تطرحه الجمعية المهنية، يتمثل في ما وصفته بسياسة “إغراق السوق” بالكتاكيت، حيث تشير المعطيات المتداولة إلى أن الإنتاج الأسبوعي تجاوز سقف 15 مليون كتكوت، بينما لا تتعدى الحاجيات الوطنية في الظروف العادية نحو 9 ملايين كتكوت فقط.
هذا الفارق الكبير بين العرض والطلب أدى بشكل طبيعي إلى فائض ضخم في الإنتاج، انعكس مباشرة على أسعار البيع التي تهاوت إلى مستويات غير مسبوقة، لتصبح أقل من الكلفة الحقيقية للإنتاج، وهو ما يعني أن المربي يخسر مالياً مع كل دورة إنتاج جديدة بدل تحقيق هامش ربح يضمن استمرارية نشاطه.
وفي الوقت الذي استفاد فيه المستهلك من هذا الانخفاض، وجد العديد من المربين أنفسهم أمام وضع مالي صعب، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل واليد العاملة، ما أدى إلى تفاقم المديونية وإغلاق عدد من الضيعات.
أزمة حكامة أم أزمة سوق؟
الانتقادات التي وجهتها الجمعية لم تتوقف عند حدود الأرقام، بل امتدت إلى طريقة تدبير القطاع برمته، حيث حملت جزءاً من المسؤولية للهيئات المهنية والجهات الوصية، معتبرة أن برامج التأهيل والإصلاح التي تم إطلاقها خلال السنوات الماضية لم تحقق الأهداف المعلنة.
وتثير هذه المعطيات نقاشاً أوسع حول حكامة سلاسل الإنتاج الفلاحي بالمغرب، ومدى قدرة الآليات الحالية على تحقيق التوازن بين مختلف المتدخلين داخل المنظومة، من منتجي الكتاكيت وأصحاب المفاقس إلى المربين والموزعين وصولاً إلى المستهلك النهائي.
ففي غياب أدوات دقيقة لضبط العرض والطلب، يتحول السوق أحياناً إلى فضاء للمضاربات والاختلالات، حيث يؤدي فائض الإنتاج إلى انهيار الأسعار، بينما يقود أي نقص في المعروض إلى ارتفاعات حادة تثقل كاهل المستهلك.
المستهلك رابح اليوم… لكن إلى متى؟
ورغم الترحيب الواسع الذي لقيه تراجع أسعار الدجاج لدى الأسر المغربية، فإن خبراء القطاع يحذرون من أن استمرار الخسائر قد يؤدي على المدى المتوسط إلى نتائج عكسية.
فإفلاس عدد كبير من المربين وخروجهم من السوق قد يؤدي مستقبلاً إلى تراجع الإنتاج الوطني، وهو ما قد يخلق اختلالاً جديداً في التوازنات ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل أكبر من السابق.
ومن هنا تبرز أهمية البحث عن حلول مستدامة لا تقوم فقط على خفض الأسعار بشكل ظرفي، بل على بناء منظومة متوازنة تضمن سعراً عادلاً للمستهلك وهامش ربح معقولاً للمنتج في الوقت نفسه.
مطالب بالتحقيق وإعادة هيكلة القطاع
أمام تفاقم الأزمة، رفعت الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم سقف مطالبها، داعية إلى فتح تحقيق مستقل وشامل في تدبير قطاع الدواجن وآليات إنتاج وتسويق الكتاكيت، مع تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية والإدارية اللازمة.
كما طالبت بتدخل حكومي عاجل لإعادة تنظيم القطاع وفق مقاربة جديدة تقوم على الشفافية والحكامة الجيدة وإشراك مختلف الفاعلين المهنيين في اتخاذ القرار، بما يضمن استقرار السوق ويحمي الاستثمار الوطني.
بين حماية القدرة الشرائية وإنقاذ المنتج الوطني
تكشف أزمة الدواجن الحالية عن تحدٍ حقيقي يواجه السياسات الفلاحية بالمغرب، يتمثل في كيفية التوفيق بين هدفين مشروعين: حماية القدرة الشرائية للمواطن من جهة، وضمان استدامة الإنتاج الوطني وحماية المربين من جهة أخرى.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بانخفاض الأسعار، بل بقدرة السوق على تحقيق توازن دائم وعادل يضمن للمستهلك منتجاً في متناول اليد، وللمربي عائداً يحفظ استثماره ويشجعه على مواصلة الإنتاج.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مطالب التحقيق وإعادة الهيكلة، يبقى قطاع الدواجن أمام مفترق طرق حاسم، قد يحدد ملامح واحدة من أهم السلاسل الإنتاجية في الفلاحة المغربية خلال السنوات المقبلة.






