مقال تحليلي : الجامعة العمومية بين مطرقة الرسوم وسندان التهميش: هل تُدفع نحو الموت البطيء؟

الجامعة تحت الحصار
منذ عقود، ظلّت الجامعة المغربية بمثابة فضاء للعلم والمعرفة، وملاذاً للأبناء القادمين من القرى والهوامش والمناطق الفقيرة، الحالمين بمستقبل أفضل. كانت مجانية التعليم العالي تشكّل صمام أمان اجتماعياً، وحافزاً للنهوض الجماعي. لكن اليوم، يجد هذا الصرح نفسه محاصراً بقرارات حكومية تضرب في عمقه، آخرها قرار فرض رسوم تسجيل على الدراسة بنظام “التوقيت الميسر”، وهو النظام الذي يسمح للموظفين والأجراء بمتابعة دراستهم الجامعية بالتوازي مع عملهم.
هذا القرار ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو مؤشر خطير على توجّه رسمي نحو خوصصة مقنّعة للتعليم العالي، وإدخال منطق السوق إلى قلب الجامعة العمومية، في محاولة لقتلها ببطء وتفكيك مكتسباتها التاريخية.
من مجانية التعليم إلى منطق السوق
الجامعة المغربية نشأت على أساس مبدأ دستوري واضح: التعليم حق للجميع، والدولة مسؤولة عن ضمانه وتوفير شروطه. لكن التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها البلاد منذ التسعينيات جعلت هذا الحق يتآكل شيئاً فشيئاً. بدأت الضغوط الدولية، ومشاريع “الإصلاح” الممولة من المؤسسات المالية العالمية، تدفع نحو إشراك القطاع الخاص في التعليم، واعتبار المعرفة سلعة تُباع وتُشترى.
اليوم، قرار فرض رسوم على الدراسة بالتوقيت الميسر ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل التبخيس. فالدولة بدل أن تضخ الموارد في الجامعة العمومية، وتوسع طاقتها الاستيعابية، وتدعم البحث العلمي، تختار الطريق الأسهل: تحميل الطلبة والموظفين والأسر تكاليف إضافية، في ضرب صارخ لمبدأ تكافؤ الفرص.
الجامعة في أزمة صامتة
الجامعة المغربية تعاني منذ سنوات من أزمات متراكمة:
-
الاكتظاظ: عشرات الآلاف من الطلبة في مدرجات لا تتسع لهم.
-
ضعف التأطير: أستاذ واحد مقابل مئات الطلبة، في تخصصات علمية دقيقة.
-
قلة التمويل: ميزانيات البحث العلمي هزيلة، مقارنة بما يُنفق في دول أخرى أقل غنى.
-
الهشاشة البيداغوجية: ضعف التجهيزات المخبرية وقلة الكتب والمراجع.
-
هجرة الأدمغة: مئات الباحثين والأساتذة يهاجرون كل عام، بسبب ضعف الدعم وفقدان التحفيز.
في هذا السياق المتأزم، يأتي قرار فرض الرسوم، ليضيف عبئاً جديداً بدل أن يكون جزءاً من الحل. وكأن الحكومة تقول للجامعة: “لن نعطيكم دعماً، بل سنحوّلكم إلى مؤسسة تجارية، تدبر مواردها من جيوب الطلبة”.
الإقصاء الاجتماعي المقنع
فرض الرسوم لا يعني فقط إدخال المال إلى الجامعة، بل يعني إقصاء اجتماعياً واسعاً. فالموظفون والأجراء الذين كانوا يجدون في التوقيت الميسر فرصة لتحسين تكوينهم العلمي، لن يتمكنوا بعد الآن من متابعة دراستهم، لأن التكاليف باهظة. أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة سيُستبعدون، بينما تُفتح الأبواب فقط أمام الميسورين.
بهذا المنطق، تتحول الجامعة من فضاء للمساواة والارتقاء الاجتماعي إلى أداة لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية: أبناء الأغنياء في كليات خاصة ومدارس نخبوية، وأبناء الفقراء محاصرون في جامعة عمومية مشلولة، وإن أرادوا متابعة الدراسة بشروط مرنة فعليهم الدفع.
الفصول الدستورية التي تنص على مجانية التعليم والحق في تكافؤ الفرص باتت اليوم حبراً على ورق. القرار الجديد يتعارض مع:
-
الفصل 6: المساواة أمام القانون.
-
الفصل 31: الحق في التعليم.
-
الفصل 32: مسؤولية الدولة في تأهيل الشباب.
-
الفصل 33 و34: المساواة والعدالة الاجتماعية.
فأي معنى لهذه النصوص إذا كانت الحكومة نفسها تضربها بقرارات مالية جافة، تُقصي من لا يملك وتُكافئ من يملك؟
الجامعة بين المطرقة والسندان
الجامعة المغربية اليوم واقعة بين مطرقة الحكومة التي تتنصل من مسؤولياتها، وسندان لوبيات التعليم الخاص التي ترى في هذه القرارات فرصة ذهبية للتوسع. فالطالب الذي لا يستطيع تحمل الرسوم في الجامعة العمومية، لن يجد بديلاً سوى التسجيل في مؤسسات خاصة بمبالغ خيالية، أو التخلي عن حلمه الجامعي نهائياً.
بهذا الشكل، تصبح الجامعة العمومية مجرد ظل لما كانت عليه، فضاءً فارغاً يعاني من قلة الموارد، بينما تتحول الكفاءات والطاقات إلى سلعة في السوق الحرة.
موت بطيء للجامعة العمومية
كل المؤشرات تؤكد أن ما يحدث ليس صدفة، بل هو مخطط ممنهج لقتل الجامعة العمومية ببطء:
-
التهميش المالي: خفض ميزانيات البحث والابتكار.
-
الاكتظاظ: ترك الجامعات تواجه أعداداً متزايدة دون بنية تحتية كافية.
-
التسليع: إدخال رسوم ومصاريف تحت مسميات مختلفة.
-
التفكيك التدريجي: دفع الطلبة نحو القطاع الخاص عبر التضييق على العمومي.
هذه الخطوات جميعها تؤدي إلى نتيجة واحدة: إنهاء مجانية التعليم وتحويله إلى مجال للربح.
الجامعة ليست سلعة
الجامعة ليست مجرد بناية أو إدارة، بل هي فضاء لصناعة الفكر والمعرفة، وحاضنة للأمل الاجتماعي. تحويلها إلى سوق يعني ضرب جوهر رسالتها: خدمة المجتمع، وتكوين أطره، وصناعة مستقبله.
التعليم حق، وليس امتيازاً. والمعرفة ليست بضاعة، بل ركيزة للعدالة الاجتماعية. وأي حكومة تحاول إخضاع الجامعة لمنطق السوق، إنما تعلن الحرب على أجيال بأكملها، وتغلق أبواب المستقبل في وجه فئات واسعة من المواطنين.
أي مستقبل للجامعة؟
اليوم، الجامعة العمومية في المغرب مهددة بالانهيار. وإذا استمر هذا النهج، فإن أبناء الفقراء والطبقات الوسطى سيُقصون تباعاً، ليبقى التعليم العالي حكراً على الميسورين. إنها وصفة جاهزة لتعميق الفوارق، وتكريس الظلم الاجتماعي، وتدمير ما تبقى من الثقة في المؤسسات.
الجامعة تحتاج إلى تمويل حقيقي، وإصلاح جذري، واستراتيجية وطنية شجاعة. أما فرض الرسوم، فليس سوى محاولة فاشلة لشراء الوقت على حساب الطلبة.
ويبقى السؤال الحارق: هل تدرك الحكومة أنها بقراراتها هذه لا تُصلح الجامعة بل تقتلها؟ وهل يعقل أن يُترك مصير آلاف الطلبة رهيناً لحسابات مالية ضيقة؟






