سياسة

تحليل إخباري: هل خسر أخنوش معركة النفوذ داخل الدولة؟.. عندما اصطدمت رئاسة الحكومة بجدار الاختصاصات مع وزارة الداخلية

إذا كانت السنوات الأولى من ولاية عزيز أخنوش قد اتسمت بصورة رئيس حكومة يمسك بمفاصل الأغلبية ويدير المشهد من موقع القوة، فإن السنوات الأخيرة بدأت تكشف، وفق قراءات سياسية متزايدة، عن تحول لافت في موازين التأثير داخل السلطة التنفيذية، عنوانه الأبرز صعود أدوار شخصيات وازنة داخل الدولة، مقابل تراجع قدرة رئيس الحكومة على فرض رؤيته في عدد من الملفات الحساسة.

وتتحدث أوساط سياسية عن أن الخلافات التي كانت تدور في الكواليس بين أخنوش وبعض أعضاء حكومته لم تعد مجرد اختلافات تقنية حول تدبير الملفات، بل تحولت إلى صراع نفوذ واختصاصات، بلغ ذروته مع وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت والوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، وهما الاسمان اللذان يعتقد كثير من المتابعين أنهما نجحا في بناء مسار مستقل داخل الحكومة بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.

حكومة التعديلات المتتالية

منذ بداية الولاية الحكومية، رافقت أخنوش اتهامات سياسية بالسعي إلى إحكام السيطرة على مختلف القطاعات عبر إبعاد شخصيات وازنة وتعويضها بأسماء أكثر قرباً من توجهاته.

ويستحضر منتقدو رئيس الحكومة سلسلة التعديلات التي شملت وزارات استراتيجية، من التعليم إلى الصحة والتعليم العالي والفلاحة، معتبرين أن العديد من الوزراء الذين غادروا لم يكونوا بالضرورة أصحاب حصيلة ضعيفة، بل كانوا يمثلون شخصيات مستقلة أو غير مندمجة بالكامل في دائرة القرار المحيطة برئيس الحكومة.

ويُستشهد في هذا السياق باسم شكيب بنموسى، الذي قاد اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي قبل توليه حقيبة التعليم، حيث يرى أصحاب هذا الطرح أن مغادرته لم تكن مرتبطة فقط بمنطق التغيير الحكومي، بل أيضاً بمكانته السياسية والفكرية داخل المشهد العمومي.

كما يُطرح اسم خالد آيت الطالب الذي ارتبط اسمه بتدبير مرحلة جائحة كورونا، إضافة إلى عبد اللطيف الميراوي وأحمد صديقي وغيرهم من الوزراء الذين غادروا الحكومة خلال التعديل الوزاري.

الحوار الاجتماعي.. بداية الشرخ؟

من بين الملفات التي استُحضرت كثيراً في الكواليس السياسية ملف الحوار الاجتماعي.

فبحسب روايات متداولة في الأوساط السياسية والإعلامية، كانت جولات من الحوار تسير نحو توافقات واسعة بين الحكومة والنقابات، قبل أن تعرف بعض الاتفاقات تعثراً مفاجئاً بعد تراجع أطراف نقابية عن مواقف سابقة.

ويرى بعض المراقبين أن تلك المرحلة كشفت وجود تباينات داخل مراكز القرار الحكومي نفسها، وأن الصراع لم يكن دائماً بين الحكومة والنقابات فقط، بل بين رؤى مختلفة داخل الجهاز التنفيذي حول تدبير الملفات الاجتماعية.

لفتيت.. الرجل الذي كسب معركة الثقة

في مقابل هذه الصورة، يبرز عبد الوافي لفتيت كأحد أكثر الوزراء حضوراً في الملفات الاستراتيجية.

فالرجل الذي يشرف على وزارة الداخلية قاد خلال السنوات الأخيرة ملفات كبرى شملت برامج التنمية الترابية، وتدبير قضايا الماء، ومواكبة الجماعات الترابية، والإشراف على عمليات إدارية وطنية معقدة.

كما برز دوره في ملف إحصاء القطيع الوطني الذي جاء في ظرفية دقيقة اتسمت بتداعيات الجفاف وتراجع الثروة الحيوانية، حيث اعتبر كثيرون أن هذا الورش وفر معطيات ميدانية دقيقة تساعد الدولة على اتخاذ قرارات مبنية على أرقام واقعية بدل التقديرات التقريبية.

وجاء المجلس الوزاري الأخير ليمنح لفتيت دفعة إضافية، بعد تقديمه برنامجاً ضخماً للتنمية الترابية بغلاف مالي يناهز 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، وهو المشروع الذي اعتبره متابعون واحداً من أكبر الأوراش التنموية المطروحة خلال المرحلة المقبلة.

ويرى مراقبون أن هذه المحطة شكلت رسالة واضحة حول المكانة التي بات يحتلها وزير الداخلية في تدبير الملفات الكبرى للدولة.

فوزي لقجع.. الصعود الهادئ

إلى جانب لفتيت، يبرز اسم فوزي لقجع باعتباره أحد أكثر المسؤولين الحكوميين حضوراً وتأثيراً خلال السنوات الأخيرة.

فالرجل أصبح مرتبطاً بملفات المالية العمومية، والاستثمارات الكبرى، والأوراش الرياضية الوطنية والدولية، كما نجح في بناء صورة المسؤول التنفيذي الذي يركز على النتائج أكثر من الخطاب السياسي.

وتذهب بعض التحليلات إلى أن لقجع استطاع توسيع دائرة نفوذه بفضل ارتباطه المباشر بالأوراش الاستراتيجية الكبرى، وهو ما جعله يحظى بموقع متقدم داخل المشهد العمومي.

أخنوش تحت نيران الانتقادات

في المقابل، يجد رئيس الحكومة نفسه في مواجهة انتقادات متزايدة تتعلق بالحصيلة الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.

فالمعارضة وأطراف سياسية مختلفة تواصل إثارة الجدل حول تضارب المصالح، وحول عدد من الوعود التي قدمتها الحكومة للمواطنين بشأن التشغيل والأسعار والدعم الاجتماعي.

كما يتكرر النقاش حول الأرقام الحكومية المرتبطة بالنمو والاستثمار والتشغيل، حيث تطالب المعارضة بمزيد من التوضيحات حول مدى انعكاس هذه المؤشرات على الواقع المعيشي للمواطنين.

وزادت بعض التصريحات البرلمانية الأخيرة من حدة الجدل، خاصة بعد السجال الذي دار بين رئيس الحكومة وقيادات من المعارضة، والذي اعتبره مراقبون مؤشراً على ارتفاع منسوب التوتر داخل المشهد السياسي.

هل بدأ العد العكسي؟

بعيداً عن لغة الصراع الشخصي، تبدو الصورة أكثر ارتباطاً بإعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.

ففي الوقت الذي يواجه فيه أخنوش ضغوطاً سياسية متزايدة بسبب حصيلة الحكومة والجدل المرتبط ببعض الملفات الاقتصادية والاجتماعية، يواصل كل من لفتيت ولقجع تعزيز حضورهما من خلال إدارة أوراش استراتيجية كبرى تحظى بمتابعة مباشرة على أعلى المستويات.

ولهذا لم يعد السؤال المطروح في الأوساط السياسية: من يقود الحكومة؟ بل من يقود الملفات الكبرى للدولة؟ ومن يملك القدرة على تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة على الأرض؟

إنها معركة نفوذ صامتة تدور بعيداً عن الأضواء، لكن آثارها بدأت تظهر بوضوح في المشهد السياسي المغربي، وقد تكون نتائجها أحد أهم العوامل المؤثرة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى