بعد الإفراج عن شباب “جيل زد”.. هل يقترب المغرب من لحظة انفراج سياسي وحقوقي جديدة؟

شكلت مغادرة عدد من شباب “جيل زد” أسوار السجن وعودتهم إلى عائلاتهم بعد صدور أحكام مخففة في ملف الطريق السيار حدثاً لافتاً أعاد إلى الواجهة النقاش حول الأوضاع الحقوقية والسياسية بالمغرب، كما أعاد طرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل العلاقة بين الدولة والشباب، وحدود المقاربة الأمنية، وآفاق الانفراج السياسي الذي تتطلع إليه العديد من الفعاليات الحقوقية والمدنية.
وفي هذا السياق، عبر القطاع الحقوقي للحزب الاشتراكي الموحد عن ترحيبه بالإفراج عن عدد من معتقلي “جيل زد”، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل مؤشراً إيجابياً، لكنها تبقى غير كافية ما لم تواكبها إجراءات أوسع لتطبيع الأجواء الحقوقية والسياسية وتعزيز الثقة بين مختلف الفاعلين.
وبعيداً عن المواقف الحزبية والقراءات المتباينة للملف، فإن الثابت اليوم هو أن المغرب يوجد أمام مرحلة دقيقة تتطلب الكثير من الحكمة والهدوء والقدرة على استشراف المستقبل، خصوصاً في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية.
لقد حملت قضية “جيل زد” منذ بدايتها أبعاداً متعددة، إذ لم تكن مجرد ملف قضائي أو أمني، بل تحولت إلى موضوع للنقاش العمومي حول أوضاع الشباب المغربي وتطلعاته وانتظاراته. فالشباب الذين تصدروا المشهد كانوا يعبرون، وفق ما تؤكده الهيئات المتضامنة معهم، عن مطالب مرتبطة بالعيش الكريم والتعليم والصحة ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهي قضايا تشكل في جوهرها انشغالات قطاع واسع من المجتمع المغربي.
ومن هنا تبرز أهمية الإفراج عن هؤلاء الشباب، ليس فقط باعتباره نهاية مرحلة من المتابعة والاعتقال، بل لأنه يحمل في طياته رسائل سياسية ومجتمعية تتجاوز الأشخاص المعنيين إلى المجال العام برمته.
فالعديد من المتابعين يرون أن الدول القوية لا تقاس فقط بقدرتها على فرض القانون، بل أيضاً بقدرتها على استيعاب التحولات المجتمعية وفتح قنوات الحوار والإنصات لمختلف التعبيرات السلمية، خاصة تلك الصادرة عن فئة الشباب التي تمثل الرأسمال الحقيقي لأي مشروع تنموي.
وفي المغرب، لطالما شكلت المؤسسة الملكية عنصر التوازن والاستقرار في اللحظات الدقيقة التي عرفتها البلاد. فمنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، ارتبطت العديد من المبادرات الكبرى بمنطق الإصلاح الهادئ والتدرج والتوفيق بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، والانفتاح السياسي والحقوقي من جهة أخرى.
ولهذا يرى عدد من المراقبين أن أي انفراج سياسي أو حقوقي محتمل خلال المرحلة المقبلة لا يمكن فصله عن هذه الفلسفة التي ميزت التجربة المغربية، والقائمة على تجنب منطق القطيعة والصدام، والبحث عن الحلول التي تحفظ تماسك الدولة والمجتمع في آن واحد.
غير أن النقاش الذي أعقب الإفراج عن شباب “جيل زد” كشف أيضاً عن وجود تباين في المقاربات السياسية. فبينما اعتبرت بعض الهيئات الحقوقية أن هذه الخطوة ينبغي أن تتبعها إجراءات أوسع تشمل ملفات أخرى، برزت أصوات تدعو في المقابل إلى تجنب تحويل مثل هذه القضايا إلى مادة للمزايدات السياسية أو الانتخابية.
ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن المغرب اليوم بحاجة إلى مناخ من الثقة والهدوء أكثر من حاجته إلى إعادة إنتاج خطاب التوتر والاستقطاب، خاصة وأن المملكة تواجه رهانات استراتيجية كبرى مرتبطة بالتنمية الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، واستكمال الأوراش الاجتماعية، وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.
كما أن نجاح أي مسار للانفراج يقتضي، بحسب العديد من المتابعين، توفر إرادة جماعية تجعل من المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وتدفع نحو بناء جسور الحوار بدل تعميق هوة الخلاف.
وفي هذا الإطار، يكتسي الحديث عن “تعاقد اجتماعي وسياسي جديد”، كما ورد في بلاغ القطاع الحقوقي للاشتراكي الموحد، أهمية خاصة، لأن المجتمعات الحديثة لم تعد تقاس فقط بمؤشراتها الاقتصادية، بل أيضاً بقدرتها على ترسيخ الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وتعزيز المشاركة السياسية، وضمان الحقوق والحريات في إطار دولة القانون والمؤسسات.
غير أن هذا النقاش لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية، وهي أن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة مكاسب مهمة على مستويات متعددة، سواء في مجال التنمية الاقتصادية أو البنية التحتية أو الحماية الاجتماعية أو الحضور الدبلوماسي الدولي. وهو ما يجعل الحفاظ على الاستقرار وتعزيز مناخ الثقة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع.
فالمملكة مقبلة على استحقاقات كبرى وتحديات مصيرية، من بينها مواصلة تنزيل الدولة الاجتماعية، وإنجاح المشاريع التنموية الضخمة، والاستعداد لاحتضان تظاهرات عالمية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، وهي رهانات تتطلب تعبئة وطنية واسعة ومناخاً سياسياً ومجتمعياً سليماً.
إن الإفراج عن شباب “جيل زد” قد يكون في نظر كثيرين خطوة ضمن مسار أوسع نحو تهدئة الأجواء وإعادة بناء الثقة، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة أعمق حول كيفية تطوير العلاقة بين الدولة والشباب، وبين المؤسسات والمجتمع، وبين متطلبات الأمن وضرورات الانفتاح.
وإذا كانت الهيئات الحقوقية ترى في هذه الخطوة بداية لمسار ينبغي استكماله، فإن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لتعزيز التوافق الوطني وتغليب منطق الحوار والإنصات والمسؤولية المشتركة.
ذلك أن المغرب، وهو يواصل مسيرته نحو المستقبل، يحتاج اليوم إلى توسيع مساحات الأمل أكثر من حاجته إلى توسيع دوائر الخلاف، ويحتاج إلى بناء الثقة أكثر من استحضار الانقسامات، لأن قوة الأمم لا تقاس فقط بقدرتها على تجاوز الأزمات، بل بقدرتها على تحويلها إلى فرص جديدة للتقدم والاستقرار والتنمية.






