الصحراء المغربية.. تحركات أمريكية جديدة تؤكد مركزية الحل السياسي وتكرس قوة الزخم الدبلوماسي الذي يقوده الملك محمد السادس

تواصل قضية الصحراء المغربية استقطاب اهتمام الفاعلين الدوليين والمؤسسات الأممية، في ظل الدينامية الدبلوماسية المتسارعة التي تشهدها خلال السنوات الأخيرة، والتي عززت بشكل كبير موقع المغرب داخل المنتظم الدولي ورسخت وجاهة مقترح الحكم الذاتي باعتباره الإطار الأكثر واقعية ومصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي المفتعل.
وفي هذا السياق، كشف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، عن مناقشات مهمة جرت على هامش منتدى أوسلو حول ملف الصحراء المغربية، بحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، وذلك في إطار الجهود الدولية الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة.
وأكد المسؤول الأمريكي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدعو إلى إطلاق مناقشات “بحسن نية ودون تأخير”، مشدداً على أهمية مواصلة المسار الدبلوماسي الهادف إلى إيجاد حل سياسي واقعي ودائم لهذا النزاع الذي عمر لأكثر من خمسة عقود.
قوة الملف المغربي تفرض نفسها دولياً
وتأتي هذه التصريحات في ظرفية دولية خاصة تتسم بتعاظم الدعم الدولي للموقف المغربي، حيث نجحت المملكة خلال السنوات الأخيرة في تحقيق اختراقات دبلوماسية غير مسبوقة بفضل الرؤية الاستراتيجية التي يقودها الملك محمد السادس، والتي نقلت ملف الصحراء من مرحلة الدفاع عن المواقف إلى مرحلة المبادرة وصناعة التوافقات الدولية.
وأصبح مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007 يحظى اليوم بدعم متزايد داخل مجلس الأمن والأوساط الدبلوماسية الدولية، باعتباره حلاً واقعياً وعملياً وقابلاً للتطبيق، في مقابل تراجع الأطروحات الانفصالية التي فقدت الكثير من زخمها السياسي والدبلوماسي.
كما أن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية شكل نقطة تحول مفصلية في مسار القضية الوطنية، وأعطى دفعة قوية للموقف المغربي داخل مختلف المحافل الدولية، خاصة أن واشنطن تعد عضواً دائماً بمجلس الأمن وصاحبة تأثير كبير في القضايا الدولية الكبرى.
الدبلوماسية الملكية.. مهندس التحولات الكبرى
ويرى متابعون أن ما تحقق في ملف الصحراء خلال العقدين الأخيرين يعود بالأساس إلى الدبلوماسية الملكية التي يقودها الملك محمد السادس، والتي اعتمدت مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين الحضور السياسي القوي والانفتاح الاقتصادي والتعاون جنوب-جنوب وبناء الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية والإقليمية.
فمنذ اعتلاء جلالته العرش، تحولت قضية الصحراء إلى محور أساسي في السياسة الخارجية المغربية، حيث تم توظيف مختلف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والتنموية للدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة وتعزيز حضور المغرب داخل إفريقيا والعالم.
كما ساهمت الزيارات الملكية المتعددة إلى عدد من الدول الإفريقية والأوروبية والعربية والأمريكية في بناء شبكة واسعة من الشراكات السياسية والاستراتيجية، انعكست بشكل مباشر على مواقف العديد من الدول التي أصبحت تدعم بشكل واضح سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
الاعترافات الدولية تتوسع
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت قضية الصحراء تحولات نوعية تمثلت في افتتاح عشرات القنصليات العامة بمدينة العيون والداخلة، في خطوة اعتبرت بمثابة اعتراف عملي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
كما عبرت دول مؤثرة داخل أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي عن دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما جعل المقاربة المغربية تحظى بزخم دولي متزايد داخل الأمم المتحدة وخارجها.
وفي المقابل، أصبحت الأطروحات الانفصالية تواجه عزلة متنامية، خاصة بعد التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، وتزايد الاقتناع الدولي بأن الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية بمنطقة شمال إفريقيا والساحل يقتضيان إيجاد حل سياسي واقعي وقابل للتنفيذ.
الأقاليم الجنوبية.. نموذج تنموي يعزز الموقف المغربي
وإلى جانب التحرك الدبلوماسي، نجح المغرب في تعزيز قوة ملفه من خلال الأوراش التنموية الكبرى التي أطلقها بالأقاليم الجنوبية، حيث تحولت مدن العيون والداخلة وبوجدور والسمارة إلى أوراش مفتوحة للاستثمار والتنمية والبنيات التحتية.
وشملت هذه المشاريع موانئ استراتيجية وطرقات سريعة ومناطق صناعية ومشاريع للطاقة المتجددة وبرامج اجتماعية واقتصادية كبرى، ما جعل الأقاليم الجنوبية تشهد تحولات تنموية غير مسبوقة عززت مكانتها كجسر اقتصادي بين المغرب وعمقه الإفريقي.
نحو مرحلة جديدة من المسار السياسي
وتعكس التصريحات الأخيرة للمسؤول الأمريكي استمرار الاهتمام الدولي بضرورة الدفع نحو تسوية سياسية للنزاع، في إطار المرجعيات الأممية وقرارات مجلس الأمن التي تؤكد على أهمية الحل السياسي الواقعي والدائم والمتوافق بشأنه.
وبالنظر إلى موازين القوى الدبلوماسية الحالية، يبدو أن المغرب يدخل هذه المرحلة من موقع قوة، مستنداً إلى شرعية تاريخية وقانونية، وإلى دعم دولي متنامٍ، وإلى نجاحات دبلوماسية وتنموية جعلت من قضية الصحراء نموذجاً لنجاعة الرؤية الاستراتيجية التي يقودها الملك محمد السادس.
ومع استمرار توسع دائرة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وتعاظم التأييد لمبادرة الحكم الذاتي، تتجه القضية الوطنية نحو ترسيخ مكتسبات جديدة تعزز الوحدة الترابية للمملكة وتؤكد مكانة المغرب كفاعل إقليمي وازن وشريك موثوق في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية بالمنطقة.






