قضايا

بين الروايات المتداولة وواجب الحقيقة القضائية.. قضية “إغتصاب التلميذات” بقرية با محمد تستدعي بلاغاً رسمياً لرفع اللبس وتنوير الرأي العام

ما تزال القضية التي باتت تعرف إعلامياً بـ”ملف استغلال قاصرات بقرية با محمد” تثير الكثير من الجدل والتساؤلات داخل إقليم تاونات وخارجه، بعدما تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا تداولاً على مواقع التواصل الاجتماعي وفي عدد من المنابر الإعلامية، وسط تضارب في المعطيات وتباين في الروايات المتداولة حول حجم الوقائع وطبيعتها وعدد المتورطين فيها.

وفي خضم هذا الجدل المتصاعد، أعلنت فدرالية رابطة حقوق النساء عزمها التنصيب طرفاً مدنياً أمام القضاء في هذا الملف، كما كشفت عن شروعها في تشكيل لجنة دفاع وطنية مفتوحة أمام المحامين الحقوقيين من مختلف هيئات المملكة، وذلك لمواكبة مجريات القضية ومتابعة مسارها القضائي.

ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من دخول عدد من الهيئات الحقوقية على خط الملف، من بينها المكتب الجهوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بجهة فاس ـ مكناس، الذي سبق أن وجه مراسلة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس، طالب من خلالها بتنوير الرأي العام وتسريع الأبحاث المرتبطة بهذه القضية التي استأثرت باهتمام واسع داخل الأوساط المحلية والحقوقية.

قضية تحولت إلى حديث الشارع المحلي

وخلافاً للملفات القضائية العادية، فإن هذه القضية تجاوزت أسوار المحاكم والتحقيقات لتصبح محور نقاش يومي داخل إقليم تاونات، وخاصة بمدينة قرية با محمد، حيث تتناقل الصفحات المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي معطيات وروايات متباينة، بعضها يتحدث عن وقائع خطيرة وشبكات منظمة وامتدادات واسعة، فيما تذهب روايات أخرى إلى أن جزءاً كبيراً من المعطيات المتداولة يفتقر إلى الدقة أو لا يستند إلى نتائج رسمية صادرة عن الجهات القضائية المختصة.

وبين هذا وذاك، وجد الرأي العام نفسه أمام سيل من الأخبار والتأويلات والتسريبات غير المؤكدة، الأمر الذي ساهم في تضخم القضية إعلامياً واجتماعياً بشكل غير مسبوق، وجعلها تتصدر النقاشات المحلية والجهوية.

الحاجة إلى بلاغ قضائي رسمي

وأمام هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى صدور بلاغ رسمي من النيابة العامة المختصة  أو من الجهات القضائية المشرفة على الملف، من أجل تقديم المعطيات المؤكدة للرأي العام ووضع حد لحالة الغموض التي ما تزال تحيط بالقضية.

ففي غياب معطيات رسمية دقيقة، تصبح الساحة مفتوحة أمام الإشاعات والتأويلات والقراءات المتضاربة، وهو ما قد ينعكس سلباً على سير العدالة وعلى حقوق جميع الأطراف، سواء تعلق الأمر بالمشتبه فيهم أو الضحايا أو أسرهم أو حتى بالمجتمع المحلي الذي ينتظر معرفة الحقيقة كاملة من مصدرها الرسمي.

ويرى متابعون للشأن القضائي أن التواصل المؤسساتي في مثل هذه الملفات الحساسة أصبح ضرورة وليس مجرد خيار، خاصة عندما تتحول القضية إلى موضوع رأي عام وتصبح محل متابعة وطنية وإقليمية واسعة،في غياب أي معطى يتحدث عن وقوع الجرائم أو أن هناك تضخيم للقضية من اجل صراعات الأطراف بالقرية.

بين التضخيم والحقيقة القضائية

وفي المقابل، تتحدث مصادر محلية متطابقة عن وجود نوع من التضخيم الإعلامي والاجتماعي لبعض الوقائع المتداولة، معتبرة أن ما يجري تداوله في عدد من الصفحات والمنصات الرقمية قد لا يعكس بالضرورة حقيقة الوقائع التي يجري التحقيق بشأنها.

وتؤكد هذه المصادر أن البحث القضائي وحده كفيل بتحديد حجم الأفعال موضوع المتابعة وعدد المتورطين وطبيعة المسؤوليات المحتملة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات التي يتم تداولها خارج المؤسسات القضائية المختصة.

كما تشدد على أن احترام قرينة البراءة يظل مبدأ دستورياً وقانونياً أساسياً، وأن أي معطيات أو اتهامات غير صادرة عن جهات رسمية تبقى مجرد مزاعم أو روايات غير مؤكدة إلى حين انتهاء التحقيقات وصدور المواقف القضائية الرسمية.

حماية الضحايا وتحصين المجتمع

وفي الوقت نفسه، تؤكد مختلف الهيئات الحقوقية والمدنية التي دخلت على خط الملف على أهمية توفير الحماية القانونية والاجتماعية الكاملة لأي ضحايا محتملين، خاصة إذا تعلق الأمر بقاصرات، مع ضمان سرية الأبحاث واحترام المصلحة الفضلى للطفولة وفق ما تنص عليه القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

كما يطالب فاعلون محليون بعدم استغلال القضية في تصفية الحسابات أو نشر الأخبار غير الدقيقة، لأن مثل هذه الملفات تحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية والتوازن، بالنظر إلى انعكاساتها الاجتماعية والنفسية على الأسر والمجتمع المحلي.

انتظار الحقيقة من المؤسسات المختصة

اليوم، وبعد أن تحولت قضية قرية با محمد إلى حديث الشارع المحلي وإلى مادة يومية للنقاش على الجرائد الوطنية و المحلية و مواقع التواصل الاجتماعي، يبقى الرهان الأساسي هو تمكين الرأي العام من معطيات رسمية دقيقة وواضحة تصدر عن النيابة العامة أو الجهات القضائية المختصة.

فالحقيقة القضائية لا تصنعها الإشاعات ولا المنشورات المتداولة على الصفحات الاجتماعية، وإنما تبنى على الأبحاث والتحقيقات والخبرات والقرائن القانونية التي تشرف عليها المؤسسات المختصة.

ومن هنا، فإن صدور بلاغ رسمي يوضح للرأي العام ما ثبت وما لم يثبت، وما هو موضوع تحقيق وما هو مجرد ادعاءات متداولة، من شأنه أن يرفع اللبس، ويضع حداً لحالة التضارب والتأويل، ويحمي حقوق الجميع، ويعيد النقاش إلى إطاره القانوني والمؤسساتي السليم، بعيداً عن المبالغات أو الأحكام المسبقة التي قد تضر بسير العدالة وبثقة المواطنين في المؤسسات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى