فاس على صفيح ساخن.. هل ستقود المفتشية العامة للإدارة الترابية إلى “تفكيك العلبة السوداء” للعقار ؟؟

تعيش مدينة فاس على وقع واحدة من أكثر العمليات الرقابية حساسية في الأسابيع الأخيرة، بعد نزول لجنة مركزية تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية إلى مقر جماعة فاس، في إطار تدقيق شامل وموسع طال ملفات التعمير والجباية وتدبير العقار الجماعي، وسط متابعة مباشرة من السلطات الترابية وعلى رأسها خالد ايت طالب والي جهة فاس–مكناس،الذي رفع شعار “صفرتسامح”.
هذا التحرك الرقابي لا يبدو إجراءً عادياً أو ظرفياً، بل يندرج ضمن مقاربة جديدة تقوم على إعادة فحص عميق لملفات وُصفت لسنوات داخل المدينة بأنها تشكل “علبة سوداء” لتدبير العقار والموارد الجبائية، بسبب تعقيد مساراتها وتداخل القرار الإداري فيها مع مصالح عقارية ومالية واسعة.
تنسيق مركزي وترابي في أعلى المستويات
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن عملية التدقيق الحالية تتم تحت إشراف مباشر للمفتشية العامة للإدارة الترابية(IGAT) باعتبارها جهاز الرقابة الأعلى في مجال تتبع تدبير الجماعات الترابية، وبمواكبة دقيقة من والي جهة فاس–مكناس باعتباره ممثلاً للسلطة الترابية الساهرة على تنزيل القوانين وضبط اختلالات التسيير المحلي.
هذا التنسيق بين الإدارة الترابية المركزية والسلطة الجهوية يعكس حجم الرهان على هذا الملف، الذي لم يعد مجرد قضية تدبير إداري عادي، بل تحول إلى ورش مفتوح لإعادة تقييم طريقة اشتغال منظومة التعمير والجباية داخل واحدة من أكبر الحواضر التاريخية بالمملكة.
“العلبة السوداء” للعقار.. ملفات تمتد لسنوات
التحقيقات الجارية تركز بشكل أساسي على تدبير الوعاء العقاري داخل المدينة، خصوصاً ما يتعلق بتغيير صبغة بعض الأراضي وإعادة توجيهها من استعمالات عمومية أو مخططة إلى مشاريع خاصة وتجزيئات عقارية.
وتشير المعطيات إلى أن عدداً من الملفات المرتبطة بالتعمير شهدت خلال سنوات سابقة تحولات إدارية معقدة، أثارت تساؤلات حول مسار بعض الرخص والتصاميم، ومدى احترامها للوثائق المرجعية للتخطيط الحضري.
كما يجري التدقيق في طريقة تدبير عقارات استراتيجية داخل المدار الحضري، والتي يُشتبه في استفادة بعض الأطراف منها عبر مسارات غير واضحة أو عبر تأويلات إدارية مثيرة للجدل.
الجباية المحلية.. فجوات مالية تحت المجهر
إلى جانب ملف العقار، تركز المفتشية العامة على منظومة الجبايات المحلية، خصوصاً الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية(الضريبة على الأراضي العارية – TTNB)، حيث يتم التحقق من مدى دقة التصنيف الجبائي لبعض العقارات، ومدى احترام مساطر الإعفاء أو التحصيل.
وتشير المعطيات الأولية إلى وجود اختلالات محتملة في تدبير هذا الملف، ساهمت في تقليص مداخيل مالية مهمة كانت من المفترض أن توجه إلى ميزانية الجماعة، وهو ما انعكس على تمويل عدد من المشاريع المحلية.
أرشيف التعمير.. ملف بالغ الحساسية
من بين أكثر المحاور حساسية في هذا التدقيق، ملف أرشيف التعمير، الذي يهم وثائق الرخص والتفويتات ومحاضر المصادقة على الاستثناءات،و حيث ينتظر ان تسقط رؤسا ظلت لسنوات تتحكم في ملفات العقار بالجماعة.
وتفيد المعطيات بوجود حالات مرتبطة بغياب أو صعوبة تتبع بعض الوثائق، ما دفع لجان التفتيش إلى الاعتماد على مصادر أرشيفية موازية لدى مؤسسات أخرى، بهدف إعادة بناء التسلسل الكامل للقرارات الإدارية المرتبطة بالعقار داخل المدينة.
نحو مرحلة جديدة في تدبير الشأن المحلي
ما يجري اليوم داخل جماعة فاس يعكس تحولاً واضحاً في فلسفة الرقابة على التدبير المحلي، حيث لم يعد ممكناً التعامل مع ملفات التعمير والجباية باعتبارها ملفات تقنية فقط، بل أصبحت جزءاً من منظومة حكامة خاضعة للتدقيق والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى تدخل المفتشية العامة للإدارة الترابية، وبتنسيق مع والي جهة فاس–مكناس، على أنه خطوة لإعادة ضبط قواعد تدبير العقار والمال العام داخل المدينة، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الدينامية الوطنية المرتبطة بتأهيل المدن الكبرى.
فاس أمام اختبار الشفافية
فاس اليوم أمام لحظة دقيقة، حيث تتقاطع فيها الرقابة المركزية مع السلطة الترابية في مسار واحد عنوانه إعادة ترتيب ملفات ظلت لسنوات خارج دائرة التدقيق العميق،و يستفيد منها من يقدمون أنفسهم من ذوي النفوذ وليس الحقوق.
وبين ما هو إداري وتقني وما هو مرتبط بالحكامة والتدبير، تبدو المدينة مقبلة على مرحلة إعادة هيكلة غير معلنة لمنطق تدبير العقار والجباية، بما يعيد رسم علاقة القرار المحلي بالرقابة المركزية، ويضع حداً نهائياً لفترة “المنطقة الرمادية” في التسيير.






