فاس تحت رحمة “إسكوبارات العقار”.. كيف تحولت المدينة إلى غنيمة للمنعشين العقاريين وسقط الفقراء تحت أنقاض التعمير العشوائي؟

لم يكن انهيار العمارة السكنية فجر أمس الخميس(21 ماي 2026) بحي عين النقبي بمدينة فاس، والذي خلف إلى حدود الساعة مصرع 15 شخصا وإصابة آخرين، مجرد حادث عرضي أو “قضاء وقدر” كما يحاول البعض تسويقه، بل هو حلقة جديدة من مسلسل عمراني كارثي تعيشه العاصمة العلمية منذ سنوات، عنوانه العريض: الفوضى، الريع، المضاربة العقارية، وتغول لوبيات المال والتعمير التي حولت المدينة إلى مشروع ضخم للاغتناء السريع على حساب أرواح البسطاء.
ففي الوقت الذي تتساقط فيه منازل الأحياء الشعبية و أحزمة الفقر و البؤس فوق رؤوس قاطنيها، كانت حيتان العقار بفاس تنشغل بالسيطرة على آلاف الهكتارات من أراضي الجموع والمجالات الفلاحية المحيطة بالمدينة، خصوصا على مستوى طريق عين الشقف، طريق إيموزار، والطريق السيار، حيث تحولت تلك الأراضي في ظرف سنوات قليلة إلى تجزئات سكنية ومشاريع عقارية ضخمة تدر الملايير على فئة محدودة من المنعشين العقاريين الذين استفادوا من كل أشكال التسهيلات والدعم والصمت الإداري.
الخطير في الملف ليس فقط حجم الثروات التي راكمها بعض المنعشين، بل الطريقة التي تم بها الاستحواذ على العقار. فالكثير من الملفات التي راجت داخل الأوساط المهنية والحقوقية تتحدث عن شبهات خطيرة مرتبطة بتفويت أراضي الجموع بطرق ملتوية و منها من وصلت الى الحد النصب و الإحتيال على ماليكها الأصليين،و بأثمنة بخسة، وتغيير طبيعة العقارات، والتلاعب في المساطر الإدارية، بل وحتى تزوير وثائق وتفويتات مشبوهة ظلت تمر في صمت مريب داخل دهاليز التعمير والمحافظة العقارية وبعض المؤسسات المنتخبة.
لقد أصبحت فاس نموذجا صارخا لمدينة تُدار بمنطق “النفوذ العقاري”، حيث تحولت المجالس المنتخبة، في كثير من الأحيان، إلى مجرد واجهات تمنح التراخيص وتغض الطرف عن الخروقات، فيما ظلت “العلبة السوداء” للعقار بجماعة فاس تتحكم في مفاصل القرار العمراني لعقود، مانحة امتيازات واسعة لمنعشين نافذين مقابل مدينة تختنق بالفوضى والهشاشة.
والمفارقة الصادمة أن هؤلاء المنعشين الذين راكموا الثروات الهائلة من عقار فاس، لم يفكروا يوما في بناء نموذج عمراني متوازن يخدم الطبقة الوسطى أو الفئات الفقيرة، بل توجهوا بشكل شبه كلي نحو العقار الفاخر والإقامات المغلقة والمشاريع الموجهة لأصحاب المال، تاركين آلاف الأسر تواجه مصيرها داخل أحياء آيلة للسقوط أو في هوامش عمرانية تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم.
فاس اليوم ليست ضحية الفقر فقط، بل ضحية سياسة تعمير كاملة أنتجت التفاوت الطبقي والمجالي. مدينة تتوسع أفقيا بتجزئات ضخمة وفيلات فاخرة، بينما تتآكل أحياؤها الشعبية القديمة تحت ضغط الإهمال والاكتظاظ وغياب التأهيل الحقيقي. ولذلك، فإن انهيار عمارات حي المسيرة سابقا، والذي خلف أكثر من 22 قتيلا، ثم مأساة عين النقبي و التي خلفت مقتل 15 مواطنا أمس ، ليسا حادثين منفصلين، بل نتيجة مباشرة لمنظومة عمرانية فاشلة سمحت للحيتان بالاستفادة وتركت الفقراء تحت الأنقاض.
الأكثر إثارة للجدل أن عددا من التجزئات السكنية التي أنجزت خلال السنوات الماضية لا تحترم، بحسب مهنيين وفاعلين جمعويين، دفاتر التحملات المتعلقة بالبنية التحتية والتجهيزات الأساسية. فشبكات التطهير تكون في كثير من الأحيان ضعيفة أو مغشوشة،و الإنارة العمومية شبه منعدمة، والطرق التي يتم إنجازها داخل التجزئات سرعان ما تتعرض للتلف، لتجد الجماعة نفسها لاحقا مطالبة بضخ أموال إضافية من المال العام لإعادة التهيئة والإصلاح، بينما يكون المنعش قد غادر محققا أرباحا خيالية دون أي مساءلة.
إن ما وقع بفاس ليس فقط فشلا عمرانيا، بل انهيارا أخلاقيا وإداريا عميقا، لأن المدينة تحولت إلى حقل مفتوح للمضاربة والريع، في ظل غياب المحاسبة وتضارب المصالح وتداخل المال بالسياسة. فكيف يعقل أن تستفيد شركات ومنعشون من عقارات بمئات الهكتارات، بينما تعجز آلاف الأسر عن الحصول على سكن لائق؟ وكيف تحولت أراضي الجموع، التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية المحلية، إلى مصدر ثراء فاحش لفئة محدودة؟
وما يزيد من غضب الشارع الفاسي، أن بعض الأسماء المعروفة في قطاع العقار بالمدينة ظلت لعقود تستفيد من “الأخضر واليابس”، وتتحرك بحرية داخل دوائر القرار، دون أن تُفتح ملفاتها بشكل جدي، رغم الحديث المتكرر عن اختلالات في التعمير، واستفادات ضخمة، وعلاقات نافذة مكنتها من التوسع والسيطرة على المجال العقاري للمدينة.
لقد أفرزت هذه السياسة العمرانية المختلة مدينة غير متوازنة: أحياء راقية مغلقة بأسوار عالية، مقابل أحزمة بؤس تحاصر فاس من كل الجهات. وبين هذا وذاك، ظل المواطن البسيط الحلقة الأضعف، مجبرا على اللجوء إلى البناء العشوائي أو كراء مساكن متهالكة، لأن السوق العقارية لم تعد تخدم إلا أصحاب الرساميل الكبرى.
واليوم، وبعد سقوط عشرات الضحايا في أقل من ستة أشهر بسبب انهيارات البنايات، يرتفع صوت الشارع الفاسي مطالبا بفتح تحقيقات شاملة لا تقتصر فقط على تحديد أسباب الانهيار التقني للبنايات، بل تمتد إلى كشف من صنع هذا الواقع العمراني المختل، ومن سمح بانتشار الهشاشة، ومن استفاد من ريع العقار والتعمير لعقود،و كيف تحولت الحيتان تتحكم في هندسة المدينة.
إن الأمل بات معقودا على تدخل حازم من طرف السلطات الولائية والقضائية لفتح “العلبة السوداء” للعقار بفاس، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومراجعة كل ملفات التفويتات والتجزئات والرخص التي أحاطت بها شبهات خلال السنوات الماضية. لأن استمرار الصمت يعني ببساطة انتظار انهيارات جديدة وضحايا جدد في مدينة أنهكها الجشع العقاري.
ففاس، التي كانت يوما عاصمة للعلم والحضارة، تجد نفسها اليوم رهينة لوبيات عقارية حولت التعمير إلى تجارة بلا روح، وبنت الثروات فوق هشاشة الفقراء، فيما يدفع المواطن البسيط الثمن من أمنه وكرامته وحياته.






