الداخلية تفتح ملفات جماعات “خارج المراقبة”.. تفتيش واسع يلاحق اختلالات التعمير والصفقات والجبايات بعد سنوات من “الحصانة”

في خطوة تعكس تشديد وزارة الداخلية قبضتها على تدبير الشأن المحلي، باشرت المفتشية العامة للإدارة الترابية إعادة رسم خريطة الافتحاص والمراقبة داخل عدد من الجماعات الترابية بمختلف جهات المملكة، في تحرك وصفه متابعون بأنه بداية مرحلة جديدة عنوانها كسر “مناطق الظل” التي ظلت بعيدة عن أي مساءلة أو تدقيق لسنوات طويلة.
التحركات الجديدة، التي همّت جماعات حضرية وقروية بجهات الدار البيضاء سطات والرباط سلا القنيطرة وفاس مكناس ومراكش آسفي وطنجة تطوان الحسيمة، تأتي في سياق تصاعد الشكايات المرتبطة بتدبير المال العام المحلي، وتنامي الجدل حول جماعات ظلت، بحسب معطيات متداولة، خارج دائرة التفتيش والمحاسبة منذ أكثر من عقد من الزمن.
وتفيد المعطيات المتوفرة بأن مصالح وزارة الداخلية قررت إعادة توجيه عمليات الافتحاص نحو جماعات تراكمت حولها شبهات ثقيلة مرتبطة بالتسيير الإداري والمالي، في وقت ظلت فيه أصوات المعارضة المحلية والجمعيات المدنية تدق ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بوجود “حصانة غير معلنة” استفاد منها بعض رؤساء الجماعات، رغم توالي التقارير والشكايات المرتبطة بتدبيرهم.
الملفات التي ينتظر أن تفتحها لجان التفتيش لا تبدو عادية أو محدودة، بل تشمل ملفات حساسة ترتبط بقطاع التعمير، والجبايات المحلية، وصفقات الأشغال، وسندات الطلب، وتدبير الموارد البشرية، إضافة إلى شبهات مرتبطة بالتلاعب في أجور وتعويضات العمال العرضيين، وصرف نفقات بمبالغ كبيرة عبر مساطر يحيط بها كثير من الجدل.
كما يرتقب أن تشمل التحقيقات ملفات مرتبطة بفرض رسوم على أراض معفاة قانونا، إلى جانب صفقات تتعلق بحفر الآبار وبناء السقايات ومد القنوات، وهي ملفات لطالما أثارت نقاشا واسعا بسبب تكرار اللجوء إلى سندات الطلب بدل طلبات العروض المفتوحة، وما يرافق ذلك من تساؤلات حول الشفافية والمنافسة.
الأخطر في هذه التطورات، بحسب متابعين، هو المعطيات التي تتحدث عن رؤساء جماعات صدرت في حقهم أحكام نهائية تستوجب مباشرة مساطر العزل، دون أن يتم تفعيلها بالشكل المطلوب، فضلا عن حالات لرؤساء سابقين عادوا إلى تدبير الشأن المحلي رغم أحكام قضائية نهائية قضت بفقدانهم للأهلية الانتخابية.
وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة النقاش حول مدى احترام مقتضيات القانون التنظيمي للجماعات الترابية، خاصة المادة 64 التي تنص على إمكانية عزل المنتخبين المتورطين في اختلالات جسيمة أو مخالفات قانونية، في وقت ترى فيه فعاليات مدنية وسياسية أن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن يظل انتقائيا أو رهينا بالتوازنات السياسية المحلية.
كما يرتقب أن تعيد لجان التفتيش فتح ملفات مرتبطة بطريقة تدبير الدورات الجماعية، بعد تسجيل اختلالات تتعلق بعدم احترام المساطر القانونية المنظمة لاجتماعات المجالس، خصوصا ما يرتبط بإخبار الأعضاء بجدول الأعمال والوثائق المرتبطة بالنقاط المعروضة للنقاش، وهو ما أدى في حالات عديدة إلى إسقاط مقررات جماعية بسبب خروقات مسطرية.
وفي ضواحي الدار البيضاء، تعود إلى الواجهة جماعات ظلت بعيدة عن أي افتحاص منذ سنوات طويلة، من بينها جماعات بتراب إقليمي مديونة وبرشيد، حيث تشير المعطيات إلى أن بعض الجماعات لم تخضع لأي مهمة تفتيش منذ سنة 2010 أو 2012، رغم تعاقب المجالس وتزايد الشكايات المرتبطة بطريقة التدبير.
ويرى متابعون أن هذه الدينامية الجديدة داخل وزارة الداخلية تعكس تحولا واضحا في مقاربة مراقبة الجماعات الترابية، خصوصا في ظل تنامي المطالب بتخليق الحياة العامة المحلية، ووضع حد لحالة الإفلات من المراقبة التي ظلت تثير غضب فئات واسعة من الرأي العام.
فالرهان اليوم، بحسب فاعلين في الشأن المحلي، لم يعد يقتصر فقط على فتح ملفات الاختلالات، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان تفعيل فعلي للمحاسبة وربط المسؤولية بالجزاء، حتى تستعيد الجماعات الترابية دورها الحقيقي كرافعة للتنمية المحلية، بدل أن تتحول في بعض الحالات إلى بؤر للصراعات والمصالح الضيقة وتدبير المال العام خارج منطق الحكامة والشفافية.






