ثقافة

المغرب يرسّخ إشعاعه الثقافي العالمي من قلب البندقية.. حضور قوي يؤكد أن الفن المغربي بات لغة حضارية عابرة للحدود

في مشهد يعكس المكانة المتنامية للمغرب على الساحة الثقافية والفنية الدولية، وبتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أشرف رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أمس الجمعة، على تدشين جناح المملكة المغربية ضمن فعاليات الدورة الـ61 من بينالي البندقية الدولي للفنون، أحد أكبر وأعرق المواعيد الفنية العالمية وأكثرها تأثيراً في رسم ملامح الفن المعاصر عبر العالم.

ويأتي هذا الحضور المغربي النوعي داخل التظاهرة الفنية العالمية الشهيرة، التي تحتضنها مدينة البندقية إلى غاية شهر نونبر المقبل، ليؤكد أن المغرب لم يعد مجرد مشارك في المحافل الدولية، بل أصبح رقماً ثقافياً صعباً يحمل مشروعاً حضارياً متكاملاً، يجمع بين عمق الهوية الوطنية والانفتاح الذكي على الإبداع الكوني.

وقد قام أخنوش، مرفوقاً بوفد رسمي وازن ضم وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، ورئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف المهدي قطبي، وسفير المملكة المغربية بروما يوسف بلا، والقنصل العام للمغرب بفيرونا عبد الإله النجاري، إلى جانب مندوب الجناح المغربي محمد بن يعقوب، بجولة تفقدية داخل الجناح الوطني المقام في الفضاء التاريخي الشهير “الأرسنال”، أحد أبرز المواقع الرمزية في البينالي.

ويشارك المغرب هذه السنة بمشروع فني يحمل عنوان “أزيطا” (Asǝṭṭa)، من توقيع الفنانة أمينة أكزناي، تحت الإشراف الفني للقيمة الفنية مريم برادة، وهو مشروع إبداعي يراهن على إعادة قراءة التراث المغربي بمنظور معاصر، عبر إبراز الحرف التقليدية والمعارف المتوارثة باعتبارها لغة سردية وفنية قادرة على مخاطبة العالم.

ويحمل هذا المشروع أبعاداً رمزية وثقافية عميقة، إذ يعكس الغنى الحضاري المغربي وتنوع روافده الثقافية، من خلال تحويل الحرفة التقليدية إلى خطاب بصري حديث، يزاوج بين الأصالة والابتكار، ويؤكد أن الهوية المغربية ليست تراثاً جامداً، بل طاقة إبداعية متجددة قادرة على إنتاج المعنى والجمال داخل أكبر الفضاءات الفنية العالمية.

كما يعكس اختيار المشروع المغربي ضمن هذه الدورة، التي تقام تحت شعار “بمفاتيح صغرى”، الرؤية الملكية المتبصرة التي جعلت من الثقافة والفنون رافعة استراتيجية لتعزيز القوة الناعمة للمملكة، وترسيخ صورة المغرب كبلد للتعدد والانفتاح والحوار الحضاري.

ولم يكن وصول المغرب إلى هذا الموعد الفني العالمي وليد الصدفة، بل جاء بعد مسار تنافسي شهد مشاركة 29 مشروعاً لفنانين وقيمين فنيين مغاربة، في إطار طلب مشاريع أطلقته وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قبل أن تحسم لجنة تحكيم ترأسها المهدي قطبي اختيار مشروع “أزيطا”، بالنظر إلى قوته الفنية وقدرته على تمثيل المغرب برؤية معاصرة وذات بعد إنساني عالمي.

ويرى متابعون أن الحضور المغربي المتواصل داخل بينالي البندقية أصبح يعكس التحول العميق الذي تعرفه الدبلوماسية الثقافية المغربية، حيث باتت المملكة تستثمر بشكل متزايد في الإبداع والفنون باعتبارهما جسراً للتواصل بين الشعوب، وواجهة حضارية موازية للنجاحات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي تحققها البلاد تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس.

ويعد بينالي البندقية الدولي للفنون، الذي تأسس سنة 1895، من أرفع التظاهرات الفنية في العالم، ويستقطب كبار الفنانين والنقاد والمؤسسات الثقافية الدولية، ما يجعل المشاركة المغربية داخله بمثابة تتويج لمسار ثقافي متصاعد يؤكد أن المغرب يواصل تثبيت حضوره داخل خارطة الفن العالمي بثقة وإبداع ورؤية حضارية متجددة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى