حاويات عملاقة وسط الشوارع.. هل تحولت فاس إلى مدينة بلا مراقبة؟ ومن يحاسب “ميكومار” ومجلس البقالي على فوضى تدبير النظافة؟ و العبث بالمال العام؟

تعيش مدينة فاس على وقع حالة غير مسبوقة من الفوضى في تدبير قطاع النظافة، بعدما تحولت شوارع وأحياء عديدة إلى فضاءات تعج بالأزبال والنفايات، في وقت اختارت فيه شركة “ميكومار” المفوض لها تدبير القطاع إنفاق الملايين على حاويات عملاقة جرى تثبيتها وسط الطرقات ومداخل الأحياء، في مشهد أثار موجة غضب واسعة وسط الساكنة والمتابعين للشأن المحلي،مع العلم أن هذه المباردة سبق للشركة السابقة أن عممتها و فشلت في تنزيلها و ـبين أنها غير نافعة و لا مجدية.
الصورة القادمة من طريق إيموزار ليست مجرد لقطة عابرة، بل تلخص حجم العشوائية التي باتت تطبع تدبير قطاع يصرف عليه ما يقارب 22 مليار سنتيم، دون أن تنعكس هذه الميزانيات الضخمة على نظافة المدينة أو على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. فالحاويات العملاقة التي وضعتها الشركة وسط الطريق العام لا تشكل فقط تشويهاً بصرياً لواحدة من أهم واجهات العاصمة العلمية، بل أصبحت خطراً حقيقياً على مستعملي الطريق وعلى الأمن العام.
فكيف يمكن السماح بوضع حاويات ضخمة وسط محاور استراتيجية تشهد حركة سير كثيفة، وتحجب الرؤية عن السائقين، وتعرقل حركة العربات والدراجات، دون أي دراسة تقنية أو مرورية أو أمنية؟ وكيف لمجلس جماعة فاس الذي يقوده عبد السلام البقالي أن يلتزم الصمت أمام قرارات خطيرة تتخذها الشركة المفوض لها التدبير وكأنها فوق أي مراقبة أو محاسبة؟
الأخطر من ذلك، أن هذه الحاويات العملاقة المغلقة يصعب مراقبة ما يوجد بداخلها، وهو ما يطرح تساؤلات أمنية حقيقية، خصوصاً في مدينة كبرى مثل فاس. فهذه الحاويات يمكن أن توضع داخلها أي مواد مجهولة أو خطيرة، من أجنة متخلى عنها إلى مواد مشبوهة أو حتى متفجرات، في ظل غياب أي آليات واضحة للمراقبة والتتبع. وهو معطى خطير كان يفترض أن يدفع الجهات الوصية إلى التدخل العاجل قبل السماح بتعميم هذه الحاويات وسط الفضاء العام.
وتزداد خطورة الوضع عندما يتعلق الأمر بطريق إيموزار، التي تعتبر البوابة الرئيسية الرابطة بين مطار فاس سايس ووسط المدينة، وتعبرها شخصيات رسمية ووفود وطنية وأجنبية بشكل متواصل. فهل يعقل أن تتحول هذه الطريق الحيوية إلى فضاء تنتصب فيه حاويات عملاقة في مشهد يسيء لصورة المدينة ويضرب كل شعارات التأهيل الحضري والتحديث؟
ويرى متابعون أن ما يجري اليوم يكشف بشكل واضح أن مجلس جماعة فاس تخلى عملياً عن مراقبة قطاع النظافة، وترك الشركة تتصرف في المال العام وفق منطق الارتجال والعشوائية، دون حسيب أو رقيب. فبدل توجيه الاعتمادات المالية نحو تعزيز أسطول شاحنات النظافة، وتوفير آليات حديثة لجمع النفايات، وتقوية اليد العاملة وعمليات الكنس اليومية، اختارت الشركة الدخول في مشاريع مثيرة للجدل لا علاقة لها بالأولويات الحقيقية للمدينة.

فالساكنة اليوم لا تطالب بحاويات عملاقة تحتل الشوارع، بل تطالب بشوارع نظيفة، وأحياء خالية من الروائح الكريهة، وعمال نظافة حاضرين بشكل يومي، وشاحنات قادرة على مواكبة الحجم المتزايد للنفايات. إذ تحولت عدة شوارع وأزقة بفاس في الأشهر الأخيرة إلى ما يشبه مطارح مفتوحة للنفايات، وسط غياب واضح لعمليات الكنس والتنظيف الدوري، في مشهد يسيء إلى مدينة تاريخية يفترض أنها واجهة حضارية للمغرب.
ولم تكن هذه أول القرارات المثيرة للجدل التي تتخذها الشركة، إذ سبق لها أن قامت بتثبيت قمامات بلاستيكية معلقة بعدد من شوارع المدينة، قبل أن يتم تخريب وسرقة وإزالة عدد كبير منها في ظرف وجيز، وهو ما كانت قد حذرت منه “فاس 24 “منذ البداية، معتبرة أن تلك القمامات غير ملائمة للواقع الاجتماعي للمدينة، وأن الحل كان يقتضي تثبيت حاويات فولاذية قوية مثبتة بالأرض، تتوفر على أكياس قابلة للتغيير بشكل دوري وتحترم شروط الاستعمال الحضري السليم.
غير أن الشركة، بدل مراجعة اختياراتها، واصلت نهج سياسة صرف المال العام في مشاريع توصف بالفاشلة، في وقت تتراجع فيه جودة خدمات النظافة بشكل مقلق. وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة محرجة حول طبيعة المراقبة التي يمارسها المجلس الجماعي على الشركة المفوض لها التدبير، وحول مدى احترام دفتر التحملات، ومن يتحمل مسؤولية هذه الاختيارات التي أثارت غضب الساكنة.
ويؤكد متابعون أن فاس اليوم تعيش بالفعل مؤشرات “السيبة” في التدبير الجماعي، بعدما أصبحت القرارات المرتبطة بالفضاء العام تتخذ دون إشراك حقيقي للساكنة أو اعتماد دراسات ميدانية تراعي خصوصية المدينة الاجتماعية والعمرانية والأمنية.
وفي مقابل هذا الارتباك، تتعالى الدعوات المطالبة بتدخل عاجل من سلطات ولاية جهة فاس مكناس لوقف هذا النزيف، وإعادة تقييم شامل لقطاع النظافة، مع فتح افتحاص دقيق لكيفية صرف الميزانيات الضخمة المرصودة لهذا القطاع، وإزالة الحاويات العملاقة التي باتت تهدد السلامة الطرقية والأمن العام وتشوه صورة المدينة.
ففاس، وهي المدينة التي تستعد لرهانات وطنية ودولية كبرى، لا يمكن أن تواجه المستقبل بمنطق الارتجال والعشوائية، ولا أن تبقى رهينة تدبير جماعي مرتبك حول شوارعها إلى فضاءات للفوضى والأزبال، في وقت ينتظر فيه المواطن الفاسي خدمات تحفظ كرامته وصورة مدينته العريقة.






