فاس على صفيح ساخن.. سقوط دورة ماي يفضح تصدع أغلبية البقالي ويُنذر بـ”بلوكاج سياسي” يهدد أوراش العاصمة العلمية

دخلت مدينة فاس مرحلة سياسية دقيقة بعد السقوط المدوي للدورة العادية لشهر ماي بمجلس الجماعة أمس الخميس (7 ماي 2026)، إثر غياب أعضاء الأغلبية المشكلة للمجلس، ما أفقد الجلسة نصابها القانوني وحال دون انعقادها، في مشهد وصفه متتبعون بأنه صفعة سياسية جديدة لأسلوب التدبير الفاشل الذي يقوده عبد السلام البقالي والمكتب المسير لجماعة فاس.
الواقعة لم تكن مجرد تعثر إداري عابر داخل مؤسسة منتخبة، بل حملت رسائل سياسية ثقيلة تؤكد أن الأغلبية التي كانت تقدم نفسها كتحالف منسجم لتدبير العاصمة العلمية، أصبحت اليوم تعيش على وقع تصدع داخلي واضح، ينذر بانفجار أكبر خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة وما يرافقها من حسابات انتخابية وصراعات مبكرة حول النفوذ والتموقع السياسي.
وكان من المرتقب أن تناقش دورة ماي مجموعة من الملفات الحيوية المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، ومشاريع تهم البنية التحتية والتأهيل الحضري والخدمات الأساسية، غير أن غياب مكونات الأغلبية أسقط الدورة بشكل كامل، في خطوة اعتبرها فاعلون سياسيون تصعيداً مباشراً ضد العمدة البقالي، ورسالة احتجاج داخلية تكشف عمق الأزمة التي بات يعيشها المجلس.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن ما وقع يعكس حالة ارتباك سياسي غير مسبوقة داخل مجلس جماعة فاس، خصوصاً أن الأغلبية نفسها هي التي عطلت أشغال المؤسسة المنتخبة، في سابقة تؤكد أن الخلافات لم تعد مجرد تباينات في الرؤى، بل تحولت إلى صراع مفتوح تغذيه الحسابات الشخصية والمصالح الانتخابية الضيقة، بعيداً عن انتظارات الساكنة التي تنتظر حلولاً حقيقية لمشاكل عديدة و ظلت لسنوات عالقة.
وفي مقابل هذا التعثر السياسي، تبرز سلطات ولاية جهة فاس مكناس كطرف يقود وتيرة متسارعة في تنزيل المشاريع الكبرى وتأهيل المدينة، حيث تشهد فاس خلال الأشهر الأخيرة دينامية ملحوظة في عدد من الأوراش المرتبطة بالبنيات التحتية، وتأهيل المحاور الطرقية، وإعادة تهيئة الفضاءات الحضرية، فضلاً عن مشاريع مرتبطة بالاستعدادات الوطنية الكبرى التي تعرفها المملكة.
وبات واضحاً، وفق متابعين، أن المدينة تسير اليوم بسرعتين مختلفتين؛ سرعة الإدارة الترابية والسلطات التي تشتغل بمنطق الإنجاز وتسريع الأوراش، وسرعة “السلحفاة السياسية” داخل مجلس الجماعة، الذي أصبح غارقاً في صراعاته الداخلية وتوازناته الهشة، ما يهدد بتحويل المؤسسة المنتخبة إلى نقطة عرقلة بدل أن تكون قوة اقتراحية وتنموية.
ويكتسي هذا الوضع حساسية أكبر بالنظر إلى أن فاس معنية بشكل مباشر بالدينامية الوطنية المرتبطة بالاستعدادات الكبرى التي تعرفها المملكة في أفق احتضان التظاهرات الرياضية الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، وهو ما يفرض على مختلف المؤسسات المنتخبة والإدارية تسريع وتيرة التنسيق والمصادقة على المشاريع والبرامج المرتبطة بالإتفاقيات و البنية التحتية والتنمية الحضرية.
غير أن استمرار حالة الاحتقان داخل مجلس المدينة قد يؤدي إلى “بلوكاج سياسي” حقيقي، خصوصاً إذا انتقلت الصراعات الانتخابية المقبلة إلى داخل الجماعة والمقاطعات والمجالس الترابية، وهو سيناريو يعتبره مراقبون خطيراً على مستقبل المدينة، التي تحتاج اليوم إلى استقرار مؤسساتي أكثر من حاجتها إلى معارك سياسية مفتوحة.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الأغلبية المسيرة وتحملها مسؤولية ما جرى، تبدو المعارضة داخل المجلس عاجزة عن لعب دور مؤثر، بحكم محدودية عددها وضعف تأثيرها السياسي داخل التركيبة الحالية. فرغم تسجيلها لمواقف وانتقادات متكررة، إلا أن تدخلاتها تبقى محدودة التأثير، دون قدرة حقيقية على فرض توازن سياسي أو تقديم بدائل قوية قادرة على إعادة النقاش العمومي إلى جوهره التنموي.
ويرى متابعون أن الأزمة الحالية تتجاوز شخص العمدة أو مكونات الأغلبية، لتطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمدى قدرة المجالس المنتخبة على تدبير المدن الكبرى بعيداً عن منطق الحسابات الضيقة والتحالفات الظرفية. ففاس، باعتبارها واحدة من أكبر الحواضر التاريخية بالمملكة، لم تعد تحتمل مزيداً من التعثر المؤسساتي، في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية.
ويبدو أن سقوط دورة ماي لن يكون حدثاً معزولاً، بل بداية مرحلة سياسية أكثر توتراً داخل مجلس جماعة فاس، عنوانها الأبرز تصدع الأغلبية، واحتدام الصراع حول المواقع، في مقابل تراجع النقاش الحقيقي حول مستقبل المدينة وانتظارات ساكنتها.






