ملف اقتصادي | من “نبتة جدلية” إلى صناعة واعدة… الكيف المقنن يفرض نفسه في SIAM 2026 ويكشف ولادة اقتصاد أخضر جديد بقيادة كفاءات وطنية

في دورة استثنائية من المعرض الدولي للفلاحة بمكناس المعرض الدولي للفلاحة بمكناس 2026، خطف القنب الهندي المقنن الأضواء بشكل غير مسبوق، بعدما انتقل من خانة “الموضوع الجدلي” إلى خانة “القطاع الصناعي الواعد”، في تحول يعكس عمق التحول الذي يعرفه المغرب منذ دخول القانون رقم 13.21 حيز التنفيذ، المنظم لاستعمالات هذه النبتة في مجالات طبية وصناعية مشروعة.
هذا التحول لم يعد مجرد نقاش نظري أو تجربة تجريبية، بل أصبح واقعاً اقتصادياً يُعرض داخل أروقة أكبر تظاهرة فلاحية في إفريقيا، حيث برزت منتجات مغربية خالصة تحمل بصمة ابتكار محلي، وتستجيب لمعايير دولية صارمة، ما يعكس بداية تشكل “سلسلة قيمة” متكاملة لقطاع جديد بالكامل.
من الهامش إلى الاقتصاد المنظم… تحول استراتيجي
منذ اعتماد الإطار القانوني الجديد، دخل المغرب مرحلة إعادة هيكلة شاملة لهذا القطاع، عبر الانتقال من اقتصاد غير منظم إلى صناعة مقننة تخضع للرقابة والتأطير. وفي قلب هذا التحول، لعبت الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي دوراً محورياً في تنظيم الإنتاج، وتأطير التعاونيات، ومنح التراخيص، ومواكبة المسار الكامل من الزراعة إلى التصنيع.
كما ساهمت الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية في تسريع وتيرة المصادقة على المنتجات النهائية، حيث تم تقليص آجال دراسة ملفات المنتجات التجميلية من 18 شهراً إلى شهرين فقط، وهو ما اعتُبر نقطة تحول حاسمة في إخراج هذا القطاع إلى الواجهة الاقتصادية.
تجربة ميدانية من تاونات… حين تتحول الزراعة إلى صناعة
في قلب هذا التحول، تبرز تجربة صناعية وفلاحية تقودها كفاءات وطنية، من بينها مقاولة مغربية وهي SOMACAN تتخذ من فاس مقراً رئيسياً، بينما تمتد وحدتها التحويلية إلى إقليم تاونات، في نموذج يعكس ربط المجال الفلاحي بالصناعة ذات القيمة المضافة.
هذه التجربة ترتبط بشكل مباشر بالمستثمر مصطفى الميسوري، المنحدر من قرية با محمد بإقليم تاونات، والذي يشغل أيضاً منصب رئيس الغرفة الفلاحية بجهة فاس مكناس، إلى جانب كونه مستشاراً برلمانياً. وجوده في قلب هذه الدينامية يعكس تقاطع الفعل الاقتصادي مع التمثيلية المؤسساتية، ويطرح نموذجاً جديداً لقيادة المشاريع الفلاحية الصناعية في المغرب.
هذا المسار لم يكن ليبلغ هذا المستوى من التطور لولا ما وصفه مهنيون بـ”المواكبة الميدانية الدقيقة”، التي مكنت من ربط الفلاحين بالتعاونيات، وتأطير الإنتاج وفق معايير الجودة، وضمان شراء المحصول بأسعار متفق عليها، ما خلق نوعاً من الاستقرار الاقتصادي داخل سلاسل الإنتاج.
من “الكيف” إلى “الذهب الأخضر”
في أروقة المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، لم يعد القنب الهندي يُقدَّم كنبتة مثيرة للجدل، بل كـ”ذهب أخضر” مؤطر بالقانون. أكثر من 30 منتجاً مغربياً عُرضت أمام الزوار، تتنوع بين مكملات غذائية، وشاي طبي، ومنتجات تجميل مرخصة، في تجربة تعكس تحولاً جذرياً في طبيعة استعمال هذه المادة.
اللافت أن هذه المنتجات تخضع لمعايير صارمة، حيث يتم التركيز على مادة CBD (الكانابيديول) ذات الاستخدامات العلاجية والتجميلية، مع احترام الحد القانوني لمادة THC التي لا تتجاوز 1%، ما يضمن سلامة الاستهلاك.
صناعة التجميل والصحة… دخول المغرب إلى سوق القيمة المضافة
في شق الصناعات التجميلية، تم تطوير علامات مغربية تعتمد على زيت بذور القنب، وأخرى على مستخلص “CBD Isolate”، في منتجات موجهة للعناية بالبشرة، مرخصة من وزارة الصحة والهيئات المختصة.
كما برزت منتجات الشاي الطبي (Tisanes) والمكملات الغذائية، الحاصلة على ترخيص المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، في إشارة إلى دخول المغرب مرحلة جديدة من التصنيع الغذائي القائم على نباتات محلية ذات قيمة طبية.
سلسلة إنتاج متكاملة… من البذرة إلى الصناعة
التجربة المغربية في هذا المجال لا تقتصر على المستخلصات فقط، بل تمتد إلى بناء سلسلة إنتاج متكاملة:
- البذور تُستعمل في الزيوت والدقيق والصناعات الغذائية
- الساق يدخل في صناعة النسيج والورق والمواد العازلة
- وحدات التجفيف تعتمد تقنية “Curing” لضمان جودة المادة الأولية
هذه السلسلة تعكس انتقالاً من اقتصاد خام إلى اقتصاد صناعي متكامل، يقوم على تثمين كل جزء من النبتة بدل الاقتصار على استعمال واحد.
دور محوري لـ ANRAC في تسريع التحول
منذ إطلاق الإطار القانوني، لعبت الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي دوراً مركزياً في تأطير القطاع، عبر المراقبة الدقيقة، ومنح التراخيص، وتتبع مسار الإنتاج من الزرع إلى التصنيع.
هذا الدور التنظيمي كان حاسماً في تسريع ولادة صناعة جديدة، وتحويلها من نشاط تقليدي غير منظم إلى قطاع اقتصادي رسمي يخضع لمعايير دولية.من تاونات إلى العالم… نموذج مغربي ناشئ
ما يميز هذه التجربة هو بعدها الترابي والوطني في آن واحد. فإقليم تاونات، الذي كان مرتبطاً لعقود بزراعة تقليدية محدودة القيمة المضافة، أصبح اليوم جزءاً من سلسلة صناعية عالمية، بفضل مشاريع يقودها فاعلون محليون، في مقدمتهم المستثمر مصطفى الميسوري، الذي جمع بين التجربة الفلاحية، والمسؤولية المؤسساتية، والرهان الصناعي.
هذا النموذج يعكس تحولاً في فلسفة التنمية، من دعم الفلاحة التقليدية إلى بناء صناعات فلاحية قادرة على خلق الثروة والتشغيل.
رهان اقتصادي جديد… وفرصة جهوية واعدة
الحضور القوي لمنتجات القنب الهندي المقنن في المعرض الدولي للفلاحة بمكناس 2026 لا يمكن اعتباره مجرد مشاركة عادية، بل إعلان عن ميلاد قطاع صناعي جديد في المغرب، قادر على خلق فرص شغل، وجلب استثمارات، وتعزيز موقع المملكة في سوق عالمي متنامٍ.
كما أن جهة فاس مكناس، التي تحتضن جزءاً مهماً من هذه الدينامية، تبدو مرشحة لتصبح قطباً صناعياً فلاحياً في هذا المجال، بفضل تلاقي الفلاحة، والصناعة، والبحث العلمي.
من الجدل إلى الصناعة… ومن الهامش إلى الاستراتيجية
ما يحدث اليوم ليس مجرد تطوير لنبتة زراعية، بل إعادة هندسة لقطاع اقتصادي كامل. فالقنب الهندي، الذي كان لعقود موضوعاً حساساً، أصبح اليوم جزءاً من رؤية اقتصادية واضحة، تقوم على التقنين، والتثمين، والتصدير.
وبين القانون، والمؤسسات، والمستثمرين، يبرز المغرب كبلد يسير نحو بناء نموذج خاص به في هذا المجال، يجمع بين الخصوصية المحلية والمعايير العالمية.
وفي قلب هذا التحول، تظل التجارب الرائدة، وعلى رأسها تجربة مصطفى الميسوري من تاونات، شاهداً على أن التحول الاقتصادي الحقيقي يبدأ حين تلتقي الإرادة بالمؤسسات… ويُعاد تعريف الممكن.






