سياسة

بنكيران يصعّد من آسفي… وخطاب الهجوم يكشف أزمة ذاكرة سياسية أمام صعود أخنوش ودينامية الأحرار

في خرجة جديدة من مدينة آسفي، اختار عبد الإله ابن كيران أن يعود إلى لغة الهجوم المباشر، موجهاً اتهامات ثقيلة إلى عزيز أخنوش، ومشككاً في نزاهة الممارسة السياسية الحالية، في خطاب بدا مشحوناً أكثر مما هو مؤسس على بدائل واقعية. غير أن هذه العودة القوية لبنكيران إلى واجهة الجدل السياسي، سرعان ما أعادت إلى السطح سؤالاً جوهرياً: بأي مشروعية ينتقد من قاد الحكومة لعشر سنوات كاملة حصيلة من يخلفه؟

اتهامات كبيرة… وذاكرة انتقائية
بنكيران، الذي تحدث عن “شراء الديمقراطية” و”تضارب المصالح” و”التحكم في الإعلام”، لم يتردد في توجيه سهام نقده إلى رئيس الحكومة، مستحضراً ملفات كتحلية مياه البحر وقطاع المحروقات، ومشككاً في نزاهة القرارات الاقتصادية. غير أن هذا الخطاب، رغم حدته، يظل محاطاً بتناقض واضح، إذ يتجاهل مرحلة كاملة من التدبير الحكومي قادها حزبه، والتي تميزت بقرارات اجتماعية صعبة، أبرزها إصلاح التقاعد، ورفع الدعم عن المحروقات، وإجراءات تقشفية مست القدرة الشرائية للمواطنين.

بل إن المفارقة الأبرز تكمن في أن بنكيران، الذي يرفع اليوم شعار محاربة تضارب المصالح، لم ينجح خلال فترة رئاسته للحكومة في إرساء آليات حاسمة تمنع تداخل المال بالسياسة، كما لم يتمكن من تحقيق وعود كبرى تتعلق بمحاربة الفساد بشكل جذري.

أخنوش بين منطق التدبير ومنطق الشعبوية
في المقابل، يواصل عزيز أخنوش قيادة الحكومة بمنطق مغاير، يقوم على النجاعة الاقتصادية، وجلب الاستثمار، وتنزيل أوراش اجتماعية كبرى، من قبيل تعميم الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الهشة، ومواجهة تحديات الماء والطاقة.
الهجوم على “عقلية التاجر”، الذي ورد في خطاب بنكيران، يبدو هنا أقرب إلى توصيف تبخيسي، في وقت يحتاج فيه تدبير الشأن العام إلى كفاءات قادرة على الربط بين الاقتصاد والسياسة، بدل الاكتفاء بخطاب شعبوي لا يترجم إلى نتائج ملموسة.

الأحرار… حزب يعيد تشكيل المشهد السياسي
بعيداً عن الجدل الشخصي، فإن حزب التجمع الوطني للأحرار استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يفرض نفسه كفاعل مركزي في المشهد السياسي، مستفيداً من إعادة هيكلة داخلية عميقة، وانفتاح على الكفاءات الشابة.
ويبرز في هذا السياق صعود محمد شوكي، كرمز لمرحلة جديدة داخل الحزب، تقوم على تجديد النخب والقطع مع منطق “توريث المسؤوليات”، في خطوة تعكس وعياً سياسياً بضرورة ضخ دماء جديدة قادرة على مواكبة تحولات المجتمع المغربي.

هذه الدينامية التنظيمية، مكنت الحزب من الحفاظ على موقعه كقوة أولى سياسياً، وتعزيز حضوره الميداني، وهو ما يفسر استمرار شعبيته، حتى في ظل ظرفية اقتصادية صعبة تتسم بارتفاع الأسعار وتداعيات الأزمات الدولية.

بنكيران يدرك موازين القوى… لكنه يراهن على التصعيد
رغم حدة خطابه، يدرك بنكيران جيداً أن موازين القوى لم تعد كما كانت، وأن حزب التجمع الوطني للأحرار أصبح رقماً صعباً في المعادلة السياسية، بفضل شبكة تنظيمية قوية، وقدرة على التواصل المباشر مع المواطنين، وبرامج تستهدف الفئات الاجتماعية بشكل ملموس.
غير أن اختياره العودة إلى خطاب الهجوم، بدل تقديم بدائل سياسية واقعية، يعكس أزمة أعمق داخل حزب العدالة والتنمية، الذي لم ينجح بعد في إجراء مراجعة نقدية حقيقية لتجربته الحكومية.

بين خطاب الماضي ورهانات المستقبل
إن خرجة آسفي لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل كشفت عن صراع بين نموذجين: نموذج يستحضر الماضي ليبرر الحاضر، ونموذج يحاول، رغم الصعوبات، بناء توازنات جديدة للمستقبل.
ففي الوقت الذي يواصل فيه بنكيران استعادة نفس المفردات والخطابات، يشتغل أخنوش على تنزيل مشاريع مهيكلة، مدعوماً بحزب اختار التجديد والانفتاح.

في النهاية، لم يعد الرهان اليوم على من يرفع سقف الخطاب، بل على من يملك القدرة على الإنجاز. وبين اتهامات بلا ذاكرة، وممارسة تحاول التكيف مع تحديات المرحلة، يبقى الفيصل هو ثقة المواطن… لا صخب المنصات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى