سياسة

إقليم تاونات بين الإهمال ونخبة المصالح: أعيان وسياسيون ينهبون المكتسبات ويتركون المواطن وحيدًا في مواجهة الواقع قبل الانتخابات المقبلة

في وقت يقترب فيه المغرب من محطة انتخابية محلية وإقليمية جديدة، لم يعد النقاش في إقليم تاونات محصورًا في تراشق شعارات انتخابية أو توزيع بطاقات الدعم الحزبية و الإعانات السرية، بل تحوّل إلى سؤال مركزي لدى الساكنة حول جدوى التمثيل السياسي نفسه، ومدى قدرته على الاستجابة لتطلعات المجتمع المحلي الذي ظل لسنوات طويلة يعاني من ثلاثية الإهمال التنموي: ضعف البنيات التحتية، وتردّي الخدمات، وانعدام فرص الشغل. هذه المعادلة أثبتت محدودية أداء النخبة السياسية التي تم توكيلها تمثيل الإقليم بمجلس النواب ومجالس الجهات والعمالات، وهو ما يضع الاستحقاقات المقبلة في قلب نقاش عمومي عميق يتجاوز مجرد الأسماء والحصص الحزبية إلى مساءلة الرؤية التنموية والقدرة على التغيير الحقيقي.

إذا كان الإقليم نفسه، بتاريخ طويل من التهميش المتكرر، قد شهد صعوبة في الاستفادة من المشاريع الكبرى مقارنة مع أقاليم أخرى في جهة فاس – مكناس، فإن دوائر مثل القرية وتاونات – تيسة باتت تشكلان بؤراً تمثيلية تعكس بشكل صارخ مشكلات أوسع. ففي القرية، يتساءل المواطنون اليوم بصدق عن جدوى تجديد الثقة بأسماء سبق وأن مثلتهم، وهم الذين لم يروا من تمثيليتهم إلا حضوراً شكلياً في البرلمان دون تأثير فعلي على السياسات العمومية أو دفاعًا واضحًا عن قضايا الإقليم الأساسية. وفي تاونات – تيسة، تساؤلات مماثلة تطرح نفسها، حيث كانت الحصيلة خلال الولاية المنتهية بعيدة جدًا عن توقعات السكان، خصوصاً في مجالات تشريعية محورية مثل إصلاح منظومة التعليم، التغطية الصحية، واستقطاب مشاريع تنموية تُحدث تغييرًا على مستوى التشغيل والعيش الكريم.

هذا النقد الذي يطلقه الناخبون ليس مجرد غضب عابر، بل هو نتاج وعي سياسي متنامٍ لدى فئات واسعة من ساكنة الإقليم، عايشت الاختلالات متعددة الأوجه سواء في الماضي القريب أو خلال الفترات الأطول التي شهدت فيها المنطقة تجاهلاً شبه كامل من قبل الحكومات المتعاقبة والأحزاب التي لم تنجح في بلورة برامج واقعية تستجيب لخصوصية الإقليم. إن الاستجابة لمطالب السكان اليوم لا يمكن أن تكون مجرد شعارات انتخابية تصدر في لحظة الاقتراع قبل أن تتوارى بعد انتهاء الحملة، بل يجب أن تتأسس على تقييم واضح للمرحلة الماضية، وقدرة الممثلين على الترافع داخل البرلمان عن أولويات المجتمع المحلي، بدل أن تتحول السياسة إلى فضاء لتصفية الحسابات الحزبية والمصالح الشخصية.

وإذا كان الحديث عن الإقليم ككل يُظهر تراجعًا ملموسًا في قدرة النخب السياسية على ترجمة انتظارات الناخبين إلى مشاريع ملموسة، فإن أداء ممثلي دوائر مثل القرية وتاونات – تيسة يعكس تناقضًا بين التمثيل النظري على الورق وبين الواقع المعيشي للسكان. ففي الوقت الذي كان من المفترض أن تكون هذه الدوائر نواة لتعبئة الخبرات المحلية في خدمة التنمية، إلا أن ضعف المبادرات التشريعية أو عدم قدرة النواب على المساهمة الفعّالة في مراقبة أداء الحكومة والسياسات القطاعية جعلت من صوت سكانها شبه غير مسموع داخل أروقة القرار.

لا يمكن فصل هذا الوضع عن حالة الإهمال التي عاشها الإقليم خلال الفيضانات والتساقطات الغزيرة الأخيرة، حيث شعر المواطنون بأن الدعم الرسمي كان منعدما بطيئاً أو غير كافٍ، وأن الوجود السياسي المحلي لم يلبِّ حاجات الإقليم التي تتطلب تحركاً عاجلاً واستباقياً. ففي تلك اللحظات الحرجة، كان من المتوقع أن يشكل الضغط السياسي التمثيلي دعامة قوية لتسريع تدخلات الدولة، وتوفير الموارد اللازمة، لكن الوتيرة التي عرفتها الاستجابة الرسمية دفعت بالبعض إلى الشعور بأن الإقليم تُرك للصدفة والمجهول أكثر من كونه محط اهتمام حقيقي من قبل ممثليه.

هذا الإحساس بالإقصاء المتكرر ينعكس في خطاب الناخبين الذين باتوا يطالبون بـ رؤية جديدة في التمثيل السياسي، وبرامج ترتكز على واقع الإقليم وتطلعاته التنموية، وتكون قادرة على استثمار المقعد البرلماني أو موقع التمثيل المحلي في الضغط من أجل مشاريع تنموية حقيقية، وليس فقط حضور إعلامي في مناسبات انتخابية. إن هذا التحوّل في وعي الناخب يفرض على الأحزاب قبل المرشحين أن يقدموا نفسها بوضوح كأطراف قادرة على التغيير، وكمستجيبة لتطلعات المجتمع، لا كأطراف تبحث عن مواقع نفوذ على حساب التلميح المتكرر إلى الوعود العامة التي لم تُترجم إلى واقع ملموس.

وسط هذا النقاش يتعين على الأحزاب السياسية أن تعي أن الخيار بين الوجوه القديمة والوجوه الجديدة ليس مجرّد تغيير بشري، بل اختبار حقيقي للقدرة على تقديم بدائل سياسية وبرامج تنموية واقعية. إن تجديد الثقة في وجوه جديدة لا ينبغي أن يكون شعارًا انتخابيًا يمكن ترديده فقط، بل يجب أن يرتبط بمعايير واضحة في اختيار المرشحين، تبدأ من تقييم الحصيلة السابقة، وتستمر بتحديد رؤى قابلة للتحقق في القطاعات الأساسية، وتُخضعها لمساءلة فعلية أمام الناخبين.

وفي نهاية المطاف، يبقى صوت الناخب الفيصل الذي يُمكنه أن يقيم بموضوعية أداء المنتخبين السابقين، وأن يختار من يرى فيه القدرة الحقيقية على تمثيل القضية المحلية داخل المؤسسة التشريعية، وضمان وصول صوت الإقليم إلى مراكز القرار. إن الانتخابات المقبلة في إقليم تاونات تُشكّل فرصة لإعادة تعريف التمثيل السياسي بما يتماشى مع طموحات السكان، ويضع حداً لحقبة من الإهمال و يقطع الطريق على نخبة المصالح، ويبدأ صفحة جديدة يكون فيها للمواطن صوتٌ يُحتكم إليه، وليس مجرد تابعٍ لمشاريع نخبوية لا تلامس واقع المجتمع، وفي هذا الإطار يكون التحدي الحقيقي للأحزاب والمرشحين هو تحقيق التغيير المأمول، وليس الاكتفاء بعبور المرحلة الانتخابية فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى