مكناس بين غياب الرؤية وتنحية الأولويات: لماذا يغادر المستثمرون وتبقى المدينة بلا استراتيجية تنموية واضحة؟

في الوقت الذي تسوّق فيه الجهات والأطراف السياسية على المستوى الوطني لمشاريع اقتصادية كبرى، تظل مكناس، واحدة من المدن التي تعاني من تراجع خطير في واقعها الصناعي والاقتصادي، حتى بات المشهد العام يعكس إمعانًا في سياسة التجهيل والتنمية غير المتوازنة، وتراجعًا في القدرة على خلق فرص شغل حقيقية لسكان المدينة ومستوى الجهة، وهي مفارقات تنم عن عجز مؤسسي وسياسي مركزي وضعف رؤية استثمارية واضحة.
على الرغم من أن مكناس تملك مقومات طبيعية وبشرية مهمة، إلا أن الواقع الصناعي فيها مقلق للغاية. فعدد من الشركات، التي كانت تشكل مرتكزات أساسية لسوق الشغل داخل المناطق الصناعية الثلاثة، تغلق أبوابها وتغادر إما بسبب صعوبات في الاستمرار، أو بسبب ضعف المناخ العام للاستثمار، أو نتيجة لسياسات تشجيع غير كافية. هذه المغادرة ليست مجرد حالات معزولة، بل مؤشر خطير على عدم قدرة الجهات المسؤولة على خلق بيئة تنافسية ومناخ يدعم استقرار المقاولات.
وليس أقل إثارة للتساؤل هو صمت الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين والإداريين أمام هذه الأحداث المتكررة، أو بالأحرى عدم وجود نقاش عمومي جدي حول الأسباب الحقيقية لمنحى الانسحاب التدريجي للمقاولات من المناطق الصناعية، رغم أنها تؤثر مباشرة على واحد من أهم مشاكل المجتمع المغربي عامة، وسكان مكناس خاصة، ألا وهو البطالة وتراجع سوق الشغل.
إن حقيقة أن هذه الشركات تغادر ولا يتم فتح نقاش حقيقي أو تقديم تقارير رسمية توضح الأسباب الدقيقة وراء هذا التراجع – مع وضع حلول عملية – يعكس قصوراً حضاريًا في مقاربة التنمية الاقتصادية، وإهمالاً متواصلاً لمسؤوليات الدولة المركزية والجهوية في تدبير القطاع الصناعي.
في هذا السياق، يطرح المشهد تساؤلاً جوهريًا على غرار: كيف يمكن إقناع شركات ومقاولات صناعية جديدة بالتوجه نحو مكناس للاستثمار، في حين أن أخرى تغلق وتغادر بسبب ظروف بيئية، تنظيمية، وإدارية غير مواتية؟ وتتعمّق هذه التساؤلات أكثر عند الوقوف على قرار الحكومة المصادقة خلال أكتوبر الماضي على إحداث منطقة تجمع صناعي “AGROPOLIS” بمكناس، وهو مشروع لا يزال بالكاد يُرى على الأرض، ما يثير الكثير من الجدل حول جدواه الحقيقية وإمكانية تفعيله بما يخدم المستثمرين ويحمي الاقتصاد المحلي.
في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه هذا التجمع الصناعي مشروعًا محفزًا لخلق فرص اقتصادية جديدة، يبدو أن التخطيط له – أو على الأقل تفعيله – يظل مُعطَّلاً أو عاجزًا عن جذب الاستثمارات الحقيقية، وهو ما يزيد من حالة الارتباك وعدم الوضوح في الرؤية الاستثمارية على مستوى المدينة والجهة بأكملها.
ولا تتوقف الأزمة عند هذا الحد. فبينما تُعلن السلطات عن مشاريع كبرى، يعاني واقع سوق الشغل في مكناس من انحرافات مركّبة أبرزها أن الشباب العاطل، بما في ذلك حاملو الشهادات العليا، لا يجدون فرصًا مناسبة تتماشى مع تطلعاتهم، بل يجدون أنفسهم مجبرين على العمل في وظائف غير مستقرة أو في قطاعات لا ترتقي لطموحاتهم المهنية.
وقد أصبح من الملاحظ أن أغلب الشباب لا يفضلون العمل في ظروف تتطلب جهدًا بدنيًا أو تأهيلاً محدودًا مقابل أجر متدنٍ أو بدون ضمانات مستقبلية، وهو ما يدفع البعض إلى التوجه نحو قطاعات مثل شركات الكابلاج ومراكز النداء، التي قد توفر دخلًا، لكنها تظل بعيدة عن آفاق التكوين المهني المتقدم وفرص الإبداع الاقتصادي الحقيقي.
الأمر الذي يفاقم من المشكلة هو غياب ثقة السكان في قدرتهم على الحصول على فرص شغل حقيقية في الصناعة التحويلية أو في قطاعات مدرة للقيمة المضافة، رغم أن الإقليم يمتلك موارد طبيعية وفلاحية هامة يمكن أن تشكل أساسًا لإقامة صناعات تحويلية غذائية وتنموية متقدمة، خصوصًا في أعقاب النجاحات النوعية التي حققها المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، والتي كانت من المفترض أن تكون منطلقًا لتفعيل هذه الفرص الاقتصادية، وليس مجرد تقليد لفعاليات سنوية بلا أفق تنموي واضح.
في هذا الإطار، يتضح أن عدم استثمار الإمكانات الفلاحية في تحويلها إلى صناعات غذائية وإدماجها في سلاسل قيمة اقتصادية واضحة يعكس بدوره ضعف المبادرة السياسية والاقتصادية والتنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية، وهو ما يضع مستقبل المدينة على مفترق طرق حقيقي بين أن تبقى مكانًا يُدار فيه الاقتصاد بلا تخطيط استراتيجي، أو أن تنتقل إلى مرحلة جديدة من التنمية الشاملة المستندة إلى رؤية استثمارية سليمة ومُلتزمة.
إن الضعف في الأداء المؤسسي يتجذر أكثر عندما نتساءل عن دور المركز الجهوي للاستثمار بجهة فاس – مكناس، الذي من المفترض أن يكون الذراع التنفيذي الأول في تشجيع الاستثمارات، وتمهيد المناخ القانوني والتنظيمي للمقاولات، وحماية حقوق المستثمرين، وتعزيز خلق فرص الشغل. لكن الواقع يشير إلى أن مركز الاستثمار قد أظهر رؤية محدودة وغير فاعلة في عملية دعم المشاريع الكبرى، أو خلق جذور اقتصادية قوية في مكناس نفسها، مما يضع علامة استفهام حول قدرته على المساهمة الفعلية في تغيير واقع الاستثمار بالمنطقة. إن هذا النقص في التخطيط الاستراتيجي ليس مجرد قصور إداري، بل هو عجز عن قراءة الواقع الاقتصادي وتقديم حلول عملية تضمن استقرار المقاولات وتشجيع المستثمرين الجدد.
وفي ضوء هذا الواقع الاقتصادي، يتجلى السؤال الأخطر: هل الجهات المسؤولة بما فيها المركز الجهوي للاستثمار تمتلك بالفعل خطة قابلة للتنفيذ لجعل مكناس قطبًا صناعيًا واستثماريًا قادرًا على احتواء طاقات الشباب وخلق فرص شغل حقيقية؟ الإجابة، في ظل ما يحدث على الأرض، تبدو سلبية، لأن السياسات المعلنة والتخطيط الهيكلي يبقى بعيدًا عن المعطيات الفعلية لسوق العمل ومتطلبات المقاولات.
إن كل هذه المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تضع المجتمع المدني، والأطر المهنية، وحتى الفاعلين السياسيين أمام مسؤولية كبرى تتعلق بإعادة قراءة واقع مكناس الاقتصادي، وتفعيل إرادة سياسية جريئة، ووضع خارطة طريق تنموية حقيقية تُخرج المدينة من حالة الركود إلى حالة تنافسية، تُمكِّنها من استقطاب الاستثمارات الكبرى، وتدعم المشاريع المحلية، وتضمن توزيعًا أكثر عدالة لفرص الشغل، بدل من أن تبقى أرقام البطالة في ارتفاع ملحوظ، والشركات في حالة مغادرة دائمة، والسياسات الاستثمارية في حالة انتظار بلا نتائج حقيقية.
في نهاية المطاف، لا يمكن لمكناس أن تنتظر أكثر من ذلك؛ فقد ضاعت فرص كبيرة في الماضي، ولن يكون المستقبل مبشرًا إذا ظل التخطيط الاقتصادي والتنمية رهين غياب رؤية استراتيجية واضحة، وتراجع أداء المؤسسات المعنية، وضعف إرادة تحويل المعطيات إلى واقع اقتصادي مزدهر.






