اقتصاد

الساعة الإضافية تحت مجهر الغضب الشعبي: قرار حكومي خارج الزمن الاجتماعي

يعود الجدل حول الساعة الإضافية ليطفو بقوة على السطح، لكن هذه المرة لم يعد النقاش تقنياً أو ظرفياً، بل تحول إلى رفض مجتمعي واسع لقرار يُنظر إليه على أنه مفروض على المغاربة دون مراعاة لواقعهم اليومي. فالمسألة لم تعد مرتبطة بتدبير إداري للزمن، بل أصبحت قضية تمس الصحة، والتعليم، وجودة العيش، وتكشف فجوة متنامية بين القرار العمومي وانتظارات المجتمع.

الساعة الإضافية، التي تم تثبيتها منذ سنوات، أثبتت مع مرور الوقت أنها غير منسجمة مع الإيقاع الطبيعي لحياة المغاربة. صباحات مظلمة، أطفال يتوجهون إلى مدارسهم في ظروف صعبة، موظفون يعانون من اضطراب في النوم والتركيز، وأسر فقدت توازنها الزمني بين العمل والحياة الخاصة. كل هذه التداعيات لم تعد مجرد آراء، بل واقع يومي يعيشه ملايين المواطنين.

ورغم هذا، تستمر الحكومة في التشبث بهذا التوقيت، وكأنها تدير ظهْرها لكل هذه المؤشرات. الأسوأ من ذلك، أن التبريرات المقدمة ظلت حبيسة خطاب اقتصادي ضيق، يربط القرار بمصالح بعض الفاعلين الاقتصاديين، دون تقديم أدلة ملموسة على أن هذا الاختيار يحقق فعلاً مكاسب حقيقية للاقتصاد الوطني.

وإذا كان الرهان على التوافق مع الشركاء الاقتصاديين، خصوصاً الأوروبيين، يُستعمل كذريعة، فإن التجارب الدولية تكشف عكس ذلك. فقد تراجعت عدة دول أوروبية، من بينها هولندا، عن أنظمة زمنية مشابهة بعد أن ثبتت آثارها السلبية على الصحة والإنتاجية. بل إن النقاش داخل أوروبا اليوم يتجه نحو تقليص أو إلغاء هذا النظام، وليس تكريسه.

هذا المعطى يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا تصر الحكومة على الإبقاء على خيار أثبت فشله في تجارب أخرى، ولم يحقق الإجماع داخلياً؟ هل يعقل أن يتم تغليب مصالح عدد محدود من الشركات—غالباً ذات ارتباطات خارجية—على حساب راحة وصحة ملايين المغاربة؟

إن منطق الدولة يقتضي أن يكون القرار السيادي نابعاً من مصلحة المواطن أولاً، لا من إملاءات غير مباشرة لسوق أو شركات، كيفما كان وزنها. فلا يمكن القبول بأن تُضبط ساعة بلد بأكمله لإرضاء عشرات الفاعلين الاقتصاديين، بينما يدفع 36 مليون مغربي كلفة هذا الاختيار يومياً.

الأمر لم يعد يحتمل مزيداً من التردد أو التسويف. المطلوب اليوم هو قرار شجاع يعيد الاعتبار للساعة القانونية، ويضع حداً لحالة “الازدواج الزمني” التي تربك الحياة العامة. كما أن على الحكومة أن تفرض نفسها كصاحبة قرار، قادرة على التوفيق بين متطلبات الاقتصاد وحقوق المواطنين، لا أن تنحاز لطرف دون آخر.

في النهاية، الزمن ليس مجرد أرقام تُضبط على الساعات، بل هو نمط عيش واستقرار نفسي واجتماعي. وأي سياسة عمومية لا تضع هذا المعطى في صلبها، تظل ناقصة، مهما كانت مبرراتها. فهل تلتقط الحكومة الرسالة، أم تواصل السير عكس عقارب المجتمع؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى