سياسة

44 مليار درهم تحت المجهر… هل يتحول إصلاح التعليم إلى أكبر ملف مساءلة في تاريخ الوزارة؟

عاد ملف ما عُرف بـ“المخطط الاستعجالي لإصلاح التعليم” إلى الواجهة من جديد، بعدما كشفت معطيات متداولة عن تحريك مسطرة الاستماع إلى مسؤولين مركزيين وجهويين بقطاع التربية الوطنية، في سياق التحقيق في شبهات اختلالات مالية مرتبطة ببرامج إصلاحية حديثة، من ضمنها مشروع “مدارس الريادة”.

وبحسب مصادر إعلامية وطنية، فقد أعطى الوكيل العام للملك تعليماته إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية من أجل الاستماع إلى مسؤولين بالإدارة المركزية لوزارة التربية الوطنية، إلى جانب مسؤولين بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ومديريات إقليمية، وذلك على خلفية تقارير افتحاص رصدت خروقات محتملة في صفقات عمومية أُبرمت في إطار تنزيل مشاريع إصلاحية.

يُذكر أن “المخطط الاستعجالي” الذي أُطلق سنة 2009 في عهد حكومة آنذاك، رُصدت له اعتمادات مالية قاربت 44 مليار درهم، وكان يُفترض أن يشكل منعطفًا حاسمًا في إصلاح المدرسة العمومية. غير أن تقارير رسمية سابقة، بينها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، سجلت اختلالات في الحكامة والتدبير وتنفيذ عدد من المشاريع، وهو ما أعاد طرح سؤال ربط المسؤولية بالمحاسبة في قطاع يُعتبر من أكثر القطاعات استهلاكًا للميزانية العمومية.

اليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك التجربة، يعود الجدل مع مشروع “مدارس الريادة”، الذي قدمته وزارة التربية الوطنية باعتباره ورشًا جديدًا لتحسين جودة التعلمات، خاصة في التعليم الابتدائي، عبر اعتماد مقاربات بيداغوجية حديثة، وتأطير مكثف، وتقييم دوري للأداء.

لكن المعطيات المتداولة تشير إلى أن تقارير افتحاص حديثة رصدت اختلالات في بعض الصفقات المرتبطة بالمشروع، سواء من حيث كلفتها المالية أو مساطر إبرامها أو مدى احترامها لمعايير الشفافية والمنافسة، مع الحديث عن مبالغ مهمة من المال العام صرفت في هذا الإطار.

الجدل حول “مدارس الريادة” لا ينفصل عن السياق العام الذي يعيشه قطاع التعليم في المغرب. فنتائج التلاميذ في اختبارات دولية مثل “PISA” ما تزال تُظهر تحديات بنيوية في مستوى التعلمات الأساسية، خاصة في القراءة والرياضيات والعلوم. كما أن تقارير وطنية رسمية تؤكد استمرار مشكلات الاكتظاظ، والهدر المدرسي، وضعف التكوين المستمر، والتفاوتات المجالية بين الوسطين الحضري والقروي.

وفي الوقت الذي خصصت فيه ميزانيات ضخمة لإصلاح المنظومة، سواء عبر المخطط الاستعجالي سابقًا أو عبر تنزيل القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ما تزال مؤشرات الجودة تثير القلق، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول نجاعة الحكامة، ومدى حسن توظيف الموارد المالية والبشرية.

أحد أبرز الأسئلة المطروحة اليوم يتعلق بطبيعة المساءلة: هل ستقتصر على مسؤولين إداريين وتقنيين، أم ستشمل مستويات القرار السياسي التي وضعت البرامج وصادقت على ميزانياتها وأشرفت على تنفيذها؟

فالمنطق الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي – وفق العديد من المتابعين – أن تكون المساءلة شاملة ومتدرجة، وألا تتحول إلى تحميل المسؤولية لمستويات تنفيذية فقط، في حين تبقى مستويات التخطيط والتوجيه الاستراتيجي بمنأى عن أي تقييم أو مساءلة.

كما أن إصلاح التعليم، بحجمه وتعقيداته، لا يمكن اختزاله في صفقات أو برامج ظرفية، بل يرتبط باختيارات كبرى في السياسات العمومية، وبمدى وضوح الرؤية، واستقرار القرارات، وتناسقها عبر الزمن.

الأرقام المتداولة حول كلفة الإصلاحات التعليمية خلال العقدين الأخيرين تضع قطاع التربية الوطنية في صدارة القطاعات من حيث الاعتمادات المالية. فميزانية التعليم تمثل نسبة مهمة من الميزانية العامة للدولة، ما يجعل أي اختلال في التدبير أو أي شبهة سوء استعمال للمال العام مسألة ذات بعد وطني.

ويؤكد خبراء في الحكامة أن الإشكال لا يكمن فقط في حجم الإنفاق، بل في فعاليته وأثره الفعلي على جودة التعلمات. فالمؤشر الحقيقي لنجاح أي إصلاح لا يُقاس بعدد البرامج المعلنة أو حجم الصفقات المبرمة، بل بمدى تحسن مستوى التلاميذ، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتعزيز الثقة في المدرسة العمومية.

فتح تحقيقات جديدة في ملفات مرتبطة بإصلاح التعليم قد يشكل، إذا تم تدبيره بشفافية واستقلالية، فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للوزارة، وترسيخ ثقافة التقييم والمساءلة. لكنه في المقابل يضع الوزارة الحالية أمام امتحان صعب: إما إثبات الجدية في القطع مع أي ممارسات مشبوهة، أو مواجهة موجة جديدة من فقدان الثقة في مشاريعها الإصلاحية.

فالرهان اليوم لم يعد فقط إطلاق برامج جديدة بشعارات براقة، بل إرساء حكامة حقيقية، تقوم على التخطيط الواقعي، والتتبع الصارم، والتقييم الدوري، والشفافية في تدبير الصفقات العمومية.

قضية المخطط الاستعجالي سابقًا، والجدل الحالي حول “مدارس الريادة”، يعكسان أزمة أعمق من مجرد اختلالات تقنية أو مالية. إنها أزمة ثقة في مسار إصلاح التعليم برمته، وفي قدرة السياسات العمومية على تحقيق الوعود المعلنة.

ويبقى السؤال المركزي الذي يطرحه الرأي العام اليوم:
هل تتحول هذه التحقيقات إلى محطة مفصلية لإرساء مساءلة شاملة تعيد الاعتبار للمدرسة العمومية؟
أم أنها ستظل حلقة جديدة في مسلسل طويل من الإصلاحات المتعثرة التي تستهلك المليارات دون أن تُحدث الأثر المنشود؟

الجواب لن يكون في البلاغات، بل في النتائج… وفي مدى قدرة الدولة على جعل المال العام في خدمة المتعلم، لا في خدمة الأوراق والصفقات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى