محمد الخامس… سلطان المقاومة وملك التحرير وباني الدولة الحديثة

تحلّ الذكرى السابعة والستون لرحيل جلالة المغفور له محمد الخامس، أحد أبرز رجالات التاريخ المغربي الحديث، والذي ارتبط اسمه عضوياً بمعركة التحرر الوطني وبناء أسس الدولة المغربية المستقلة. ففي مثل هذا التاريخ من سنة 1961، فقد المغرب قائداً استثنائياً لم يكن مجرد سلطان أو ملك، بل رمزاً للوحدة الوطنية ومرجعاً روحياً وسياسياً لحركة المقاومة ضد نظام الحماية.
هذه الذكرى ليست محطة استحضار عاطفي فحسب، بل مناسبة للوقوف عند مسار رجل طبع مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب، وأرسى دعائم السيادة والاستقلال، وترك إرثاً سياسياً ومؤسساتياً ما تزال الدولة المغربية الحديثة تستند إليه.
من البيعة إلى المواجهة: سياق تاريخي معقد
وُلد محمد بن يوسف سنة 1909 بمدينة فاس، في مرحلة كان المغرب يعيش فيها تحت وطأة التحولات الدولية والتدخلات الأجنبية التي أفضت إلى فرض نظام الحماية الفرنسية سنة 1912. وفي عام 1927، تولى العرش خلفاً لوالده السلطان مولاي يوسف، في ظرفية دقيقة اتسمت بسيطرة المقيم العام الفرنسي على القرار السياسي والإداري.
غير أن السلطان الشاب سرعان ما أظهر شخصية مستقلة ورؤية وطنية واضحة، خصوصاً مع تصاعد الحركة الوطنية المغربية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. وقد شكّل تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944 منعطفاً حاسماً، حيث وجد محمد الخامس نفسه أمام اختبار تاريخي: إما الاصطفاف مع سلطات الحماية أو احتضان مطالب الشعب.
اختار السلطان الوقوف إلى جانب الحركة الوطنية، واحتضن قادتها، وأضفى الشرعية الرمزية على مطلب الاستقلال، وهو ما أدخله في مواجهة مباشرة مع سلطات الحماية الفرنسية.
من طنجة إلى المنفى: سلطان يتحول إلى رمز
في 10 أبريل 1947، ألقى محمد الخامس خطابه التاريخي بطنجة، والذي اعتُبر إعلاناً سياسياً قوياً عن وحدة المغرب الترابية ورفضه للهيمنة الاستعمارية، ما أثار غضب سلطات الحماية. وتزايد التوتر بين السلطان والإقامة العامة الفرنسية إلى أن قررت هذه الأخيرة عزله ونفيه في 20 غشت 1953، في محاولة لكسر شوكة المقاومة الوطنية.
تم نفيه أولاً إلى كورسيكا، ثم إلى مدغشقر، في خطوة اعتقدت فرنسا أنها ستنهي رمزية الرجل، غير أن العكس هو الذي حدث؛ فقد تحوّل المنفى إلى شرارة أشعلت المقاومة المسلحة والانتفاضات الشعبية في مختلف مناطق البلاد، وتكرّس محمد الخامس في وجدان المغاربة “سلطاناً شرعياً” و”أباً للأمة”.
لقد أثبتت أحداث تلك المرحلة أن العلاقة بين العرش والشعب لم تكن علاقة حكم تقليدية، بل رابطاً نضالياً قائماً على الثقة والشرعية التاريخية.
عودة مظفرة واستقلال منتظر
تحت ضغط المقاومة الداخلية والدعم الدولي، اضطرت فرنسا إلى التفاوض، لتُفضي المشاورات التي جرت في مدينة إيكس ليبان إلى عودة السلطان من المنفى في 16 نونبر 1955، في مشهد تاريخي جسّد وحدة الشعب والعرش.
كانت العودة بداية مرحلة جديدة تُوّجت بإعلان استقلال المغرب في 2 مارس 1956، منهيةً أكثر من أربعة عقود من الحماية الفرنسية. وفي السنة نفسها، تم استرجاع المنطقة الخليفية بالشمال، ثم مدينة طنجة الدولية، لترتسم ملامح الدولة المغربية الموحدة.
وفي 1957، اتخذ محمد الخامس لقب “الملك”، في خطوة رمزية تعكس الانتقال من نظام السلطنة التقليدية إلى الملكية الدستورية الحديثة.
بناء الدولة الحديثة: تحديات ما بعد الاستقلال
لم يكن الاستقلال نهاية الطريق، بل بدايته. فقد واجه المغرب تحديات كبرى على مستوى توحيد الإدارة، وبناء المؤسسات، وتحديث الاقتصاد، وإرساء قواعد السيادة الوطنية.
عمل محمد الخامس على:
-
مغربة الإدارة والجيش
-
تأسيس القوات المسلحة الملكية
-
وضع اللبنات الأولى لمؤسسات دستورية حديثة
-
تعزيز مكانة المغرب إقليمياً ودولياً
كما حرص على ترسيخ نموذج يقوم على التوازن بين الأصالة والتحديث، وبين المرجعية الإسلامية والانفتاح على العالم، وهو ما جعل المغرب يسلك مساراً متميزاً مقارنة بعدد من الدول التي عرفت اضطرابات حادة بعد الاستقلال.
رحيل مفاجئ… وحزن وطني عميق
في 26 فبراير 1961، توفي محمد الخامس إثر مضاعفات عملية جراحية بسيطة، في حدث شكل صدمة كبرى للمغاربة. خرجت حشود غفيرة في الرباط ومدن أخرى لتشييع جثمانه، في جنازة مهيبة عكست المكانة الخاصة التي كان يحتلها في قلوب المواطنين.
برحيله، طُويت صفحة من أنبل صفحات التاريخ الوطني، وانتقل العرش إلى ولي عهده آنذاك الحسن الثاني، الذي واصل مسار بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها، قبل أن يتسلم المشعل لاحقاً الملك الحالي محمد السادس، في استمرارية تعكس خصوصية النموذج المغربي القائم على تلاحم العرش والشعب.
إرث يتجاوز الزمن
بعد سبعة وستين عاماً على رحيله، ما يزال محمد الخامس حاضراً في الذاكرة الوطنية، ليس فقط كقائد مرحلة التحرر، بل كمهندس أول لبناء الدولة الحديثة، وكرمز للوحدة الوطنية في لحظة مفصلية من تاريخ المغرب.
لقد جسّد نموذج القائد الذي فضّل المنفى على التنازل عن سيادة وطنه، وجعل من المؤسسة الملكية محوراً جامعاً لكل مكونات المجتمع المغربي. ومن خلال اختياره الانحياز إلى مطالب الشعب، أسس لشرعية سياسية متجددة ما تزال تشكل أحد أعمدة الاستقرار بالمملكة.
الذكرى… بين الوفاء واستحضار الدروس
إحياء ذكرى رحيل محمد الخامس ليس مجرد طقس رسمي، بل هو استحضار لقيم التضحية والوحدة والوفاء، واستلهام لدروس مرحلة كانت فيها الإرادة الوطنية أقوى من الإكراهات الاستعمارية.
إن مسيرة هذا القائد التاريخي تؤكد أن بناء الدول لا يتحقق فقط بالقوة العسكرية أو التوازنات الدولية، بل بالشرعية الشعبية والرؤية الواضحة والقدرة على تحويل المحن إلى فرص تاريخية.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية، يظل إرث محمد الخامس مرجعاً رمزياً وسياسياً، يُذكّر الأجيال بأن الاستقلال لم يكن هبة، بل ثمرة نضال مشترك بين العرش والشعب، وأن حماية المكاسب الوطنية تقتضي استحضار روح تلك المرحلة بكل ما حملته من تضحيات وآمال.
سبعة وستون عاماً بعد الرحيل، ما يزال “أب الأمة” عنواناً لمرحلة صنعت هوية المغرب الحديث، ورسخت معادلة فريدة في المنطقة: ملكية متجذرة في التاريخ، متجددة في الحاضر، وممتدة نحو المستقبل.






