سياسة

مؤتمر 7 فبراير بالجديدة: “الأحرار” في عين العاصفة.. هل يلد المؤتمر الاستثنائي “الزعيم المنقذ” أم يوقع شهادة الانهيار؟

مقال تحليلي: عبدالله مشواحي الريفي

يدخل حزب التجمع الوطني للأحرار منعطفاً تاريخياً وحاسماً لم يسبق له مثيل في تاريخه السياسي، فبإعلان رئيسه عزيز أخنوش استقالته من القيادة والدعوة لمؤتمر استثنائي بمدينة الجديدة يوم 7 فبراير 2025، يكون “حزب الحمامة” قد دخل رسمياً مرحلة “ما بعد أخنوش”. هذه المرحلة لا تتعلق فقط بتغيير الوجوه، بل هي معركة وجودية لحزب يمتلك اليوم 105 مقاعد برلمانية، ويقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التجديد الجذري الذي يضمن الاستمرارية، أو الانكفاء الذي قد يؤدي إلى انهيار دراماتيكي يعيد سيناريوهات أحزاب إدارية سابقة تآكلت بمجرد رحيل “الرجل القوي”.

رجة الاستقالة: لماذا الآن؟

استقالة أخنوش لم تكن مجرد إجراء إداري، بل كانت صرخة في وجه “الجمود” الذي أصاب بعض مفاصل الحزب. لقد واجه الرجل طيلة ولايته الحكومية والحزبية عواصف اجتماعية واقتصادية عاتية، وكان عليه أن يدفع ثمن “المسؤولية”. لكن الرجة الحقيقية التي أملت هذه الاستقالة هي قناعة عقلاء الحزب بأن “الوصفة القديمة” لم تعد صالحة لمغرب 2026، وأن الحزب الذي يمتلك قلاعاً انتخابية قوية وقاعدة عريضة يحتاج إلى “نفس جديد” يزاوج بين الكفاءة التقنوكراطية والذكاء السياسي الفطري.

دروس “جيل زيد”: عندما سقطت الأقنعة

لعل المحك الحقيقي الذي كشف “معادن” قيادات الأحرار كان مواجهة هزة “جيل زيد” (Gen Z). في تلك الفترة الحرجة، انقسم الحزب إلى ثلاث فئات:

  1. فئة “مؤججي النيران”: وزراء وقيادات تقليدية لم يستوعبوا لغة العصر، فكان خطابهم مستفزاً، وسكبوا الزيت على نار الاحتجاجات بتصريحات متعالية، مما عمق الهوة بين الحزب والشارع.

  2. فئة “الصمت المريب”: قيادات آثرت الاختفاء خلف الستار، ولزمت الصمت في وقت كان فيه الحزب يتعرض للقصف، تاركين رئيسهم يواجه العواصف وحيداً، في سلوك يفتقر لأدنى قيم التضامن الحزبي.

  3. فئة “رجال الدولة الجدد”: وهنا برز اسم شاب، كفاءة قيادية عرفت كيف تحاور وتناقش ببرودة أعصاب وبلا تشنج. هذا التيار “العاقل” هو من دعا لفتح حوار موسع مع الشباب المحتج، بل وذهب بعيداً بمناقشة المطالب وتفكيكها بمنطق “الإقناع” لا “الإخضاع”.

بروفايل “الخلف المنتظر”: ذكاء التواصل وسحر الإجماع

إن نجاح مؤتمر الجديدة في 7 فبراير رهين بمدى قدرة أخنوش وحكماء الحزب على القطع مع ممارسات “الزعيم الأوحد” أو بروفايلات “مهبول أنا” التي تفتقر للاتزان السياسي. الحزب اليوم يحتاج إلى الزعيم  الجديد و الغير المتداول الذي يمتلك “مفاتيح التواصل”؛ ذاك الذي يستطيع إخماد النيران الاجتماعية بكلمة رصينة، لا الذي يشعلها بكلمة طائشة.

إن الطاقات الشابة التي ظهرت في عز الأزمات، والتي استطاعت انتزاع “الاعتراف” من المحتجين أنفسهم، هي الأحق بقيادة المرحلة. هؤلاء يمتلكون ما لا يمتلكه “الوزراء التقليديون”: يمتلكون “الروح الوطنية” الممزوجة بـ “الواقعية الميدانية”. إنهم يتحدثون لغة الشباب، ويفهمون خوارزميات التواصل الرقمي، ويؤمنون بأن الحزب هو مؤسسة للحوار وليس ثكنة للتعليمات.

مخاطر الاختيار الفاشل: شبح “الانهيار الشامل”

يجب أن يعي المؤتمرون في الجديدة أن أي اختيار قيادات تقليدية متجاوزة،أو لشخصية ضعيفة، أو “دمية” تدار من خلف الستار، أو وجه مرفوض جماهيرياً، سيعني انتحاراً سياسياً للحزب. الأحرار مقبلون على انتخابات تشريعية حاسمة، والحفاظ على زخم 105 مقاعد يتطلب زعيماً “كاريزماتياً” قادراً على تجميع المناضلين، وصناعة الإجماع، ومواجهة الخصوم في البرامج لا في الشتائم.

إن السقوط في فخ “الشخصنة” أو توريث القيادة لتيار “الانتهازيين” الذين صمتوا وقت الأزمة، سيؤدي حتماً إلى تشتت القواعد الانتخابية. القلاع التي بناها الحزب في سوس، الشمال، والشرق ليست صكوكاً عقارية، بل هي “ثقة شعبية” يمكن أن تتبخر إذا شعر الناخب بأن “الحمامة” فقدت بوصلتها.

نداء إلى حكماء “الأحرار”: الميدان هو الحكم

على المؤتمر الاستثنائي أن يكون لحظة “نقد ذاتي” شجاع. على أخنوش أن يدفع بالخلف الذي أبان عن علو كعبه في الميدان، ذاك الذي لا يخشى مواجهة الصحافة، ولا يهرب من أسئلة الشارع الحارقة. إن الحزب يحتاج إلى “قائد ميداني” يعرف كيف يحول الأزمات إلى فرص، وكيف يعيد بناء “العقد الاجتماعي” بين الحزب والمواطن المغربي.

لقد ولى زمن “الزعيم التقنوكراطي” الصامت، وجاء زمن “الزعيم السياسي” المتفاعل. المغاربة اليوم يبحثون عن المسؤول الذي “يشبههم”، الذي يحاورهم بندية واحترام، وليس الوزير الذي يطل عليهم من علياء منصبه.

 فرصة “الجديدة” الأخيرة

إن مدينة الجديدة، بتاريخها العريق، يجب أن تكون شاهدة على ميلاد “تجمع وطني للأحرار” بنسخة عصرية، قوية، ومتصالحة مع الشعب. إن اختيار الشخصية القوية التي تجمع بين “ذكاء التواصل” و”قوة الحضور الميداني” هو الصمام الوحيد لمنع الانهيار.

يا مناضلي الأحرار، إن التاريخ لا يرحم الضعفاء، والسياسة لا تعترف بالفراغ. اختاروا من يمثل طموحاتكم، من واجه معكم العواصف ولم يختبئ، من حاور الشباب ولم يقمعهم. اجعلوا من 7 فبراير يوماً للانتصار للوطن عبر بوابة الحزب، لا يوماً لدفن طموحات حزب كان وما زال يمتلك كل مقومات الريادة.. شريطة أن يحسن الاختيار.

رسالة المؤتمر: إن القوة ليست في المقاعد، بل في القدرة على إقناع الناس و ضبط الشارع بأنكم تستحقون البقاء. والزعيم القادم هو من سيحدد: هل ستظل الحمامة تحلق عالياً، أم ستكون أول ضحية لعواصف التغيير؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى