ترانسبرانسي المغرب تحمل حكومة أخنوش “المسؤولية الكاملة”: تردي الخدمات يهددان التماسك الاجتماعي والفساد ينهب 50 مليار درهم سنوياً

شهدت المدن المغربية، منذ السابع والعشرين من شتنبر الماضي، حراكاً شبابياً قاده “جيل Z”، فاجأ السلطات والمراقبين على حد سواء بطابعه السلمي المتواصل ومطالبه الصريحة التي تعكس غضباً اجتماعياً عميقاً. وفي تقييم ناري وشامل، دخلت منظمة “ترانسبرانسي المغرب” على خط الأزمة، مُصدرةً بياناً مطولاً حملت فيه الحكومة الحالية، بقيادة عزيز أخنوش، “المسؤولية الكاملة” وراء التدهور الحاد في جودة الخدمات العمومية واتساع الفوارق الاجتماعية، مُعتبرةً أن مطالب المحتجين مشروعة وراسخة في المرجعية الدستورية والمواثيق الأممية.
لقد جاءت مطالب المحتجين واضحة، مُتمحورة حول الحق في خدمات عمومية ذات جودة في قطاعات الصحة والتعليم والشغل والسكن اللائق، إلى جانب التشبث بحقوق أساسية كالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. كما ركزت الدعوات بشكل متكرر على ضرورة محاربة الفساد الذي تستنزف كلفته المالية والرمزية ميزانية الدولة وثقة المواطنين. وبالمقابل، أشارت “ترانسبرانسي” إلى أن السلطات العمومية، وكعادتها في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، لجأت بشكل تلقائي إلى المقاربة الأمنية بدلاً من الإصغاء والتفاعل، فاختارت القمع والاعتقالات والمتابعات القضائية “الزائفة”، مُتجّاهلة بذلك الرسالة السياسية والاجتماعية التي بعثها هؤلاء الشباب إلى الدولة.
أكدت الجمعية أن هذه السياسات القمعية تعكس استمرار نهج قديم في التعاطي مع الحركات الاجتماعية، قائم على رفض الإصغاء والانفتاح على الحوار، مقابل الدفع بالمحتجين إلى مربعات التضييق والوصم، عوض معالجة الأسباب العميقة للاحتقان الاجتماعي. وتذّكر “ترانسبرانسي” بأن الخدمات العمومية الحيوية، التي تشكل اليوم محور مطالب “جيل Z”، تعاني منذ سنوات طويلة من تراجع مستمر، نتيجة سياسات عمومية اختارت “تبضيع هذه الخدمات وتسليمها تدريجيا للقطاع الخاص”. هذا النهج فاقم التفاوتات وأضعف إمكانيات ولوج المواطنين إلى حقوق أساسية تُعتبر من صميم مقتضيات الدستور.
وفي سياق تقييمها لأداء الدولة، أوضحت المنظمة أن الحكومات المتعاقبة تجاهلت بشكل ممنهج التحذيرات الصادرة عن مختلف الفاعلين السياسيين والحقوقيين، الذين نبهوا مراراً إلى خطورة الاستمرار في السياسات النيوليبرالية “المتوحشة”. واعتبرت أن هذه الحكومات انحازت باستمرار لمصالح الرأسمال، مكرسة بذلك مزيداً من الأعباء المالية على كاهل المواطنين من خلال ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الفساد ظل ينزف أكثر من 50 مليار درهم سنوياً من المال العام، وفق تقديرات خبراء، وهو رقم ضخم كان يمكن توجيهه لتحسين الخدمات العمومية وتخفيف المعاناة.
وذهبت “ترانسبرانسي” إلى تحميل الحكومة مسؤولية إضاعة فرصة الاستجابة لنداءات المواطنين المتكررة، التي تجلت بشكل بارز في احتجاجات سابقة على ما أطلق عليه المواطنون “مستشفى الموت” بمدينة أكادير، باعتباره نموذجاً فاضحاً لتردي الخدمات الصحية. غير أن الحكومة، حسب البلاغ، انشغلت “بتمرير قوانين تعزز شرعنة الفساد بدل مواجهته”، وهو ما يجعل أي تجاوب حقيقي مع مطالب الشعب، أو التزام جاد باحترام الدستور والقانون، أمراً مستبعداً في ظل النهج الحالي.
ولم يتوقف البلاغ عند حدود التنديد، بل طالب بشكل صريح السلطات بـإطلاق سراح كافة المعتقلين على خلفية هذه الاحتجاجات دون قيد أو شرط، داعياً في الوقت ذاته إلى ضبط ما أسماهم “البلطجية” الذين يندسّون وسط المتظاهرين بغرض تشويه صورتهم وتبرير القمع والاعتقال. ورأت الجمعية أن هذه الممارسات أسلوب خطير يروم تزييف الوعي العام وتجريم الحركات الاحتجاجية، رغم أنها تعبر عن جوهر الحق في التظاهر السلمي المكفول دستورياً.
و شددت الجمعية على أن تجاهل أصوات الشباب وعدم الاستجابة لمطالبهم سيؤديان حتماً إلى تعميق الأزمة الاجتماعية والسياسية. ورأت أن المدخل الحقيقي لتجاوز هذه الأزمة يكمن في الاعتراف بعمق الاختلالات، وفتح حوار وطني واسع يضع قضايا الصحة والتعليم والشغل والسكن في صلبه، باعتبارها حقوقاً غير قابلة للمساومة. كما أكدت أن القطع مع منطق الإفلات من العقاب في ملفات الفساد واسترجاع الثقة بين الدولة والمجتمع يشكلان خطوة مركزية لتجسيد قيم الدستور وبناء تعاقد اجتماعي جديد يلبي تطلعات الشباب.






